سيحجم أي باحث عن نظرته العميقة ولن يرفع نظارته في حركة اعتباطية على رأسه، أو يرخيها قليلاً فوق أنفه لتحظى عيناه بمساحة أكبر، يقرأ منها ما امتد من فصول الفاجعة كما وُصفت بلسان... مرتكبيها. في ذلك المكان، ستستوقف الباحثين أروقة اصطفت على جانبيها علبٌ كرتونية بنيّة اللون، وملفات خضراء باهتة، وخرائط ملفوفة بعناية. المكان يدعى بالعبرية «غنزاخ هَمِدينا»، أو «أرشيف دولة إسرائيل». الصدمة ستسبق عروض «أمناء الأرشيف» للمساعدة، وقد يسأل الباحث نفسه: كيف استطاعت «دولة صغيرة السن» أن تفعل كل ذلك؟
الحديث لا يدور حول أرشيفِ أفلام أو صحف أو صور، بل أرشيف نقابات عمالية وزراعية، ومؤسسات أمنية وعسكرية، وجلسات سريّة! كل ذلك حدث بعد صدى هائل فجّرته كتب «المؤرخين الجدد» في العقدين الأخيرين، ما أدى إلى إغلاق جزء كبير من ملفات الأرشيف الإسرائيلي. ووفق صحيفة «هآرتس» العبرية، أسدل الستار على الوثائق التي أثبتت طرد الفلسطينيين بالقوة خلال النكبة، أو تضمنت وصف مجازر وحالات اغتصاب ارتكبها الجنود الإسرائيليون، أو حتى إشارة إليها، كما عوملت الملفات ذات العلاقة بمواضيع تعتبر «مربكة» للمؤسسة الأمنية بالطريقة نفسها، من ثمّ صُنفت في خانة «سريّ للغاية».

استعان بن غوريون بمستشرقين لبرهنة «هرب» الفلسطينيين لا تهجيرهم

سعى الباحثون إلى اقتفاء أثر المصادر التي أشير إليها في كتب بيني موريس، وآفي شلايم، وتوم سيغف، ولكنهم وصلوا إلى طريق مسدود. وبات الوصول إلى ملف (17028/18) تحت مسمى «الهرب في 1948»، مفاجئاً جداً. فقد كُتبت وثائق هذا الملف، وفق الصحيفة، بين سنوات 1960 ــ 1964. وهو يصف محاولة مأْسسة النسخة الإسرائيلية للنكبة الفلسطينية عام 1948، ومنحها «صبغة أكاديمية». في ذلك الحين، استعان رئيس الحكومة دافيد بن غوريون، بأفضل المستشرقين الذين عملوا في خدمة «الدولة» ليبرهنوا «بالإثباتات» أن «الفلسطينيين هربوا عام 1948، ولم يُطردوا بالقوة أو يُهجّروا».
وبرغم إدراك بن غوريون، في الخمسينيات، مدى أهمية السرد أو الرواية (الناريتيف)، توصل إلى اقتناع بأنه كما نجحت الصهيونية في إنتاج رواية جديدة للإسرائيليين، فإن من غير المستبعد أن ينتج الشعب الفلسطيني الذي سكن في فلسطين قبل الاحتلال رواية حقيقية، وخاصة به. تضيف «هآرتس»، أن هذا الشعب هو الشعب الفلسطيني طبعاً، وفي مقدمة روايته تقع النكبة، الكارثة التي حلّت به مع إقامة إسرائيل في 1948، فتحول 700 ألف من السكان الأصليين إلى لاجئين. في تلك الأيام، قدّر بن غوريون أن السؤال عما حدث في ذلك العام سيقف في واجهة الصراع الدبلوماسي الإسرائيلي في العالم، وبالأخص في الصراع مع الحركة الوطنية الفلسطينية؛ بمعنى آخر، إذا نجح الفلسطينييون في إقناع العالم بنكبتهم وقصة طردهم بالقوة من أرضهم، فإنه سيقتنع بعدالة قضيتهم، ثم بأهمية عودتهم إلى وطنهم. لكن إذا استطاعت الصهيونية خلق رواية مغايرة، مثل أنهم رحلوا أو هاجروا بأنفسهم، فإن حجة الفلسطينيين ستحظى بصدقية أقل.
اليوم، يتفق معظم المؤرخين، الصهيونيون منهم وغير الصهيونيين، وما بعد الصهيونيين أيضاً، على أن الجيش الإسرائيلي وعصاباته هجّروا سكان 120 قرية من أصل 530. وأن نصف ذلك العدد من القرى هرب سكانها بفعل الهلع ولم يُسمح لهم بالعودة. وأنه في بضع قرى معدودة، هرب السكان تحت أوامر القيادة المحلية أو مخاتير القرى والبلدات. لذا يبدو أن بن غوريون أدرك صورة الوضع على نحو لا بأس فيه، وبرغم أن مواد كثيرة محفوظة في الأرشيف الإسرائيلي حول اللاجئين الفلسطينيين لا تزال سرية، فإنه يكفي ما كُشف في الماضي عن حالات أَمر فيها قادة الجيش الإسرائيلي بطرد الفلسطينيين وقصف قراهم. أي أن هناك ما يؤكد أن بن غوريون اطلع عليها، علماً بأن هؤلاء الجنود حصلوا على إذن مسبق للهجوم، كما أكدت شهادات على مجازر اللد والرملة وقرى عدة في شمال فلسطين، قدّمها جنود في عصابة «البلماخ».
في هذا الصدد، أشارت «هآرتس» إلى أن المستندات والوثائق المفتوحة أمام الباحثين الإسرائيليين لا تقدم إجابة قاطعة عن السؤال حول «خطة منظمة لتهجير الفلسطينيين»، مضيفةً أن النقاش حول هذه المسألة مستمر حتى هذا اليوم، فالمؤرخ بيني موريس، مثلا، يقدّر أن بن غوريون وضع الخطوط العريضة لخطة ترحيل الفلسطينيين خارج أرضهم، رغم غياب الوثائق التي تثبت ذلك قطعاً.
أسدل الستار على وثائق أثبتت طرد الفلسطينيين بالقوة خلال النكبة

إبّان النكبة، طلبت «الهسبراه» الإسرائيلية إخفاء جميع الحالات التي طُرد فيها الفلسطينيون من قراهم والتستر عليها، لذلك وفق «هآرتس»، يمكن تفسير ما نقله الكاتب مردخاي بار ــ أرون في كتابه «ذاكرة في كتاب»، عن عضو «الكنيست» أهرون تسيزلينغ، ووزير الزراعة في حكومة بن غوريون آنذاك، الذي كتب في صحيفة «عال همشمار» في خضم طرد العرب من اللد والرملة، أننا «لم نهجر العرب من إسرائيل... وبعدما بقوا في ظل حكمنا، لم يُهجّر عربي واحد». أمّا الصحافي أي أوفير، فذهب في الوقاحة أبعد من ذلك، بالقول: «صرخنا بوجه العرب المتدفقين إلى حدود الدول المجاورة وقلنا لهم ابقوا هُنا»، لذلك كل من ارتبط بالمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية أدرك أن طرد الفلسطينيين بالقوة هو «سرّ» يجب التحفّظ عليه.
الصحيفة نفسها أضافت أن «موشيه ديّان، الذي أمر بطرد البدو عندما كان في منصب جنرال منطقة النقب بعد عام 1949، لم يكن بإمكانه أن يناقض أقوال رئيس الحكومة (بن غوريون) حول ترك العرب المكان بإرادتهم». وقد ادعى بن غوريون آنذاك أن على إسرائيل أن تشرح للعالم أن «كل الحقائق غير معروفة، فهنالك مواد جهزتها وزارة الخارجية من وثائق المؤسسات العربية، كتلك التابعة للمفتي (أمين) الحسيني في ما يخص الهروب، وأن هذا الأمر حدث بإرادة العرب، لأنه قيل لهم إن البلد كله سيحتل وسيُسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم، بل سيملكون البيوت أيضاً». وزعم أن هناك حاجة إلى عملية شرح وتفسير جديّة، مكتوبة وشفهية. ثمّ وصلت رؤيته إلى مركز «شيلوح» عام 1961 ليجمع المركز المواد عمّا سماه «هرب العرب عام 48».
كان هدف المركز «بحث مشكلات واقعية على المستوى العلمي»، أي إضفاء الصبغة الأكاديمية عليها، لذلك عمل على إنتاج تفسيرات لأحداث عالمية من وجهة نظر إسرائيلية فقط. وقد أقيم «شيلوح» بشراكة بين «الجامعة العبرية» في القدس، ووزارة الخارجية الإسرائيلية، بالإضافة إلى وزارة الأمن والمجتمع المدني. وأوضحت «هآرتس» أن بن غوريون كان يطمح إلى إنتاج مواد من وجهة نظر إسرائيلية، لذلك توجه إلى المركز بطلب تجميع موادٍ عن «هرب العرب»، وطلب من روني جباي أن يكتب البحث. وأضافت: «لو عرف بن غوريون عن وظيفة الدكتوراه التي كتبها روني، لما طلب منه أن يجري بحثاً سيخدم الهسبراه الإسرائيلية، لأننا نفهم من كتابه أنه يثبت صدقية الفلسطينيين».
حينما وصل طلب بن غوريون إلى المركز، سُمح للباحثين بالنظر في ملفات كانت مغلقة أمام الجمهور، وخصوصاً التي جُمعت في وحدة الاستخبارات. والأهم من ذلك، المواد التي جمعها «الشاباك» عن الموضوع. عندئذ، لم يرض بن غوريون عن البحث الذي أجراه جباي، وطلب إجراء بحث جديد، فتوجه إلى موشيه معوز. لكن الأخير أشار أيضاً إلى حالات تهجير وطرد، وخصوصاً في اللد والرملة، علماً بأنه في النهاية، كتب البحث الذي أراد بن غوريون أن ينتجه، الذي يدّعي أن «المنظمات اليهودية حاولت منع هرب العرب».
تضيف الصحيفة أن معظم المؤرخين يذكرون ويعرضون إثباتات تفيد بأن بن غوريون عرف في لحظتها عن حالات طرد وتهجير للفلسطينيين، بل سمح بذلك. لكن معظم هؤلاء (في العالم وإسرائيل)، لا يناقشون مسألة أن جنود جيش الاحتلال طردوا العديد من الفلسطينيين خلال النكبة، وأن الأول لم يسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم. لكن النقاش الدائر حول السؤال: «هل كانت الخطة التي صادق عليها بن غوريون مبنية ومنظمة؟» لا يزال مستمراً. تخلص «هآرتس» إلى أن هؤلاء الباحثين خدعوا أنفسهم، خدمة للرواية الصهيوينة، ولناحية تصوير مشهد أكثر وردية عن سنةٍ غيّرت التاريخ.



«الضغط» الأميركي أنتج كذبة إسرائيلية
تشرح صحيفة «هآرتس»، أنه مع ترؤس جون كنيدي (الصورة) عام 1961 الولايات المتحدة، بدأت أصوات داخل مؤسسة الحكم الأميركي ترتفع لمطالبة إسرائيل بإعادة جزء من اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم. وقبل ذلك، قدمت إسرائيل عرضاً عام 1949 لإعادة 100 ألف لاجئ مقابل السلام مع الدول العربية، لكن ذلك لم يتم بطبيعة الحال، لأن العرض لم يكن سوى استئناف للعلاقات التي فتحها الإسرائيلييون قبل النكبة مع ساسة عرب، كان الهدف منها فرض واقع احتلال فلسطين والتسليم به. هذا الأمر يفسر رفض إسرائيل في الستينيات إعادة عدد أقل مما طرحته سابقاً، قُدر بـ 20 ألف لاجئ على الأكثر.
على ضوء «الضغط» الذي فرضه كنيدي، ثم دخول الأمم المتحدة لبتّ قضية اللاجئين، عقد دافيد بن غوريون مؤتمراً بمشاركة قادة حزب «مباي»، تقدمتهم وزيرة الخارجية آنذاك غولدا مائير. عرف بن غوريون أن أساس مشكلة قضية اللاجئين هو في شكل الرواية، لذلك على إسرائيل إقناع العالم بأن الفلسطينيين هربوا ولم يتم طردهم. فقال في خطابه أمام المؤتمرين، إن «لكل قصة براهين ودلائل، كيف هرب هؤلاء؟ وبما أنني مطلع على الموضوع، أقول لكم إن غالبية هؤلاء هربوا قبل قيام الدولة بملء إرادتهم، حتى إن الهاغناه قالت لهم ابقوا هنا... بعد قيام الدولة. ووفق اطلاعي، فقط عرب اللد والرملة هم من تركوا بلدهم، أو ضُغط عليهم ليتركوها»، ومع أنه ختم النقاش بجملته، فإن من حضر المؤتمر كان يعرف أن كلامه كاذب.