لهجة غاضبة ووجه عبوس وابتسامة لم تظهر إلا في الثواني الأخيرة من الكلمة المقتضبة التي ألقاها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، قبل ساعات من مظاهرات يتوقع أن تكون حاشدة، ضد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية.
خطاب السيسي، الذي جاء لمناسبة «ذكرى تحرير سيناء» من الاحتلال الإسرائيلي، أذيع مبكراً، بيوم كامل عن موعده، في محاولة للحدّ من تأثير المظاهرات التي توقعت تقارير لأجهزة سيادية أن تكون كبيرة في القاهرة والإسكندرية، ومحدودة في باقي المحافظات، فيما وجهت النيابة العامة اتهامات إلى عدد من الشباب الذين قبض عليهم (راجع عدد السبت) بناءً على تحريات «الأمن الوطني»، بالتحريض ضد النظام والادعاء والترويج أن الجزيرتين مصريتان وليستا سعوديتين. لكن وزير الداخلية، مجدي عبد الغفار، «تبرّأ» من تصرفات «الأمن الوطني».
في الكلمة الرئاسية، كرر «الجنرال» الحديث عن «الإنجازات» في سيناء والمشروعات التي أعلنتها الدولة، إضافة إلى دور الجيش في «مواجهة التحديات وحصر الإرهاب وملاحقته خلال الشهور الماضية». كذلك وعد محدودي الدخل بصرف فارق التضخم الناتج من انخفاض قيمة العملة المصرية أمام الدولار الأميركي، كنقاط إضافية عبر بطاقات التموين، التي تحظى بها غالبية الأسر الفقيرة في البلاد، وهو وعد يناقض تصريحاته السابقة التي جددها في الكلمة بتكليف الحكومة والجيش الحفاظ على الأسعار للفئات الأقل دخلاً، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن، باستثناء بعض المناطق المحدودة في القاهرة.

توجّهت الكلمة الرئاسية إلى محدودي الدخل وتجاهلت الشباب

خاطب السيسي الفئة الأكثر احتياجاً في المجتمع، وهي تحديداً التي يرفض قطاع عريض منها أي تحركات في الشارع بسبب حالة الركود الاقتصادي والمشكلات التي عانوها خلال السنوات الماضية. كان حديثه أشبه بكسب ثقة فئة في المجتمع وتقديم مزايا لها اعتباراً من الشهر المقبل، وذلك بزيادة الدعم الذي قُلّص سابقاً، في مقابل تجاهل واضح ومتعمّد للشباب ودورهم، في وقت يطلق فيه السيسي، مع مسؤولي الحكومة، على عام 2016 اسم «عام الشباب».
ويدرك الرئيس المصري أنه خسر الجزء الأكبر المتبقي من شعبيته لدى الشباب، خاصة أنه لم يبد استياءه من حملات الدهم التي نفذها جهاز «الأمن الوطني»، في حين أن محاولات بعض مؤيديه في حزب «مستقبل وطن» ــ المدعوم من المخابرات ــ المساهمة في حشد الشباب للتظاهر، دفعت بعض أعضاء الحزب إلى الاستقالة، اعتراضاً على اتباع سياسة المظاهرات المؤيدة في مواجهة المعارضة.
كذلك لم يغفل «الجنرال» في كلمته السعودية والخليج؛ ففي وقت يجدد فيه للمرة الخامسة، خلال أقل من أسبوعين، عدم تفريطه بأي حبة رمل، في إشارة إلى أحقيّة الرياض بالجزيرتين وفق ما قدمه من مستندات إلى الرأي العام، جدد تأكيده أن «أمن مصر مرتبط بأمن واستقرار الشرق الأوسط وبأمن الخليج العربي»، في إشارة غير مباشرة إلى إيران.
في غضون ذلك، يتوقع أن تخرج المظاهرات من ميادين في القاهرة مستهدفة التجمع أمام «نقابة الصحافيين»، وسط العاصمة، وذلك بعد التشديدات الأمنية في محيط ميدان التحرير. كذلك يناقش عدد من الشباب التوجه إلى مجلس النواب أو المحكمة الدستورية العليا للتظاهر أمامهما اعتراضاً على الاتفاقية، مطالبين بتدخل مؤسسات الدولة لوقفها رغم دعم السيسي والحكومة لها.
وأعلنت حملة «مصر مش للبيع»، التي تعارض الاتفاقية وتضم عدداً من الأحزاب والحركات السياسية، تنظيم ندوات تعريفية بأهمية سيناء وتاريخ الجزيرتين، إضافة إلى زيارة «الجندي المجهول» ووضع أكاليل الزهور تخليداً لذكرى شهداء البلاد.
أيضاً، طالبت الحملة وزارة الداخلية بعدم استخدام العنف مع المتظاهرين الذين لم يقدم أيّ منهم طلباً رسمياً للتظاهر. وكان لافتاً، في السياق، بيان القوات المسلحة الذي وزعته أمس، وأكدت فيه انتشارها لتأمين المنشآت وحمايتها ضد «من تسوّل له نفسه العبث بمقدرات الشعب المصري أو يحاول إفساد فرحته في الاحتفال بذكرى تحرير سيناء».