القاهرة | «إذا كان إكرام الميت دفنه، فإكرام المسؤول في مصر تعيينه مستشاراً للرئيس»، هذه القاعدة المعمول بها في عهد عبد الفتاح السيسي. فقبل تعيين رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب مستشاراً للرئيس لشؤون المشروعات القومية أخيراً، كان السيسي يحفل بكمٍّ كبير من تعيينات المستشارين الذين لا يستفاد منهم في شيء، ولعل صورة الجالسين إلى جواره في احتفالات ذكرى أكتوبر دليل على ذلك.


البروتوكول في الدولة يقتضي أن يجلس المستشارون إلى جوار الرئيس أولاً، وفعلاً جلس رئيس الحكومة الحالي، شريف إسماعيل، على بعد أمتار منه، تحديداً بعد وزير الدفاع الأسبق ومستشار الرئيس، المشير حسين طنطاوي (عينه الرئيس الأسبق محمد مرسي في 12 آب 2012 وأبقى عليه السيسي في منصبه)، والطنطاوي دائماً يظهر إلى جوار السيسي في مناسبات عديدة أكثر من أي مستشار آخر. كذلك جلس بجواره مجدي يعقوب، وهو المستشار الرئيسي في مجلس «علماء وخبراء مصر»، وكان إلى جانبه من الناحية الأخرى رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري، مستشاره للشؤون الاقتصادية.
يمكن القول بارتياح إن لدى السيسي جيشاً من المستشارين، وهو أسس لذلك بقراره في شباط الماضي حينما أصدر قراراً جمهورياً (رقم 60 لسنة 2015) بإنشاء أربعة مجالس تخصصية تتبع له مباشرة لـ «معاونته في رسم السياسة العامة للدولة، وإعداد الدراسات الشاملة في مجالات العمل الوطني التي تدخل في اختصاص كل مجلس تخصصي». هذه المجالس هي: المجلس التخصصي لتنمية المجتمع، وآخر للتعليم والبحث العلمي، وآخر للتنمية الاقتصادية، والرابع للسياسة الخارجية والأمن القومي.


برغم وجود مستشار قانوني للرئيس، فإن قوانين كثيرة تصدر وفيها أخطاء

قبل هذا القرار، عُيِّنَت وزيرة التعاون الدولي السابقة فايزة أبو النجا مستشارة للرئيس للأمن القومي، وكذلك عُيِّن اللواء أحمد جمال الدين مستشاراً للشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب. وبطريقة تقليدية تماماً، وككل الرؤساء، انتدب السيسي من مجلس الدولة المستشار مصطفى سعيد حنفى للشؤون القانونية، ثم صدرت تشكيلات لهذه المجالس السابقة إلا المجلس التخصصي للسياسة الخارجية والأمن القومي، وذلك دون سبب واضح، إلا إن كان الرئيس لا يحب أن يشاركه في هذا المجال أحد، وهذا هو التفسير المحمول في ضوء أنه لم يعين مستشاراً سياسياً حتى الآن.
في البداية، شعر الشارع السياسي ببعض التفاؤل بسبب تعيينات المستشارين، وإن لم يكن بعضهم راضياً عن أسماء معينة، ولكن كثيرين استحسنوا فكرة أن يكون للرئيس مستشارون، باعتبار ذلك بداية لتكوين فريق رئاسي، بدلاً من أن يصدر القرار منفرداً، لأن هذا الأمر من الأسباب التي كان يسوقها القريبون من دوائر صنع القرار لتعيين كل هؤلاء المستشارين. كذلك إن اختيار أبو النجا تحديداً للأمن القومي، بعيداً عن كونها امرأة، أوحى باستمرار معاداة القاهرة للولايات المتحدة، كما ظهر السيسي في بداية عهده.
هذا التفاؤل أفل سريعاً، وظهر أن مستشاري السيسي لا يعملون ولا يُستشارون في شيء، ويبدو أنهم مجرد ديكور، وأن الرئيس يتخذ كل قراراته منفرداً. أبو النجا نفسها لم تظهر معه في أي مناسبة رسمية، ولم يصحبها في أيٍّ من رحلاته الخارجية التي كانت تقع في صلب عملها (الأمن القومي). حتى إن اللواء جمال الدين لم يظهر في أي صورة لاحقة سوى تلك التي وزعتها رئاسة الجمهورية مطلع تعيينه. أما طنطاوي والجنزوري فلا يظهران إلا في المناسبات الرسمية، وحتى إن أراد السيسي الاجتماع بأحدهما سريعاً، فإن مكتبيهما بعيدان عن قصر الاتحادية.
وفق المعلومات، لا يزال كمال الجنزوري يذهب إلى مكتبه القديم أيام رئاسة الوزراء، في «هيئة الاستثمار»، البعيدة نسبياً عن مقر الحكم، وأبو النجا وجمال الدين مكاتبهما أيضاً بعيدة عن القصر. أيضاً، كانت آخر بيانات الرئاسة التي حملت اسم فايزة أبو النجا في آذار الماضي، وقال البيان إن مستشارة الرئيس ناقشت مع سكرتير مجلس الأمن الروسي، نيكولاي باتروشيف، في القاهرة، مسائل متعلقة بالأمن الإقليمي وتأثيرها في الأمن القومي للبلدين.
ومما يؤكد أن القرار يؤخذ منفرداً في «الاتحادية» أنه برغم وجود مستشار قانوني للرئيس، فإن قوانين كثيرة تصدر وفيها أخطاء عديدة وبعضها يعاد النظر فيها، وأصلاً أُجِّلَت الانتخابات البرلمانية في شباط الماضي بسبب «عدم دستورية قانون تقسيم الدوائر الانتخابية» الخاصة بها. وأخيراً كان قانون الاستثمار الذي نشرت له استدراكات في الجريدة الرسمية نظراً إلى وجود أخطاء فيه (من الحكومة).
ومع أن فريق المستشارين يحفل بأسماء يراها المصريون قامات علمية، مثل الدكتور هاني عازر وفاروق الباز والمهندس إبراهيم سمك، لا يبدو طبقاً لما يحدث في مجالي التعليم والبحث العلمي في الجمهورية أن أحداً من هؤلاء يستشار في شيء.
الغموض أيضاً يحيط بمستشاري السيسي وبعضهم يخاف الظهور حتى لا يقول كلاماً يغضب الرئاسة. حاولت «الأخبار» التحدث إلى الخبير الاقتصادي محسن عادل، وهو عضو المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية، فرفض التعليق على شيء يخصّ مستشاري الرئيس، ثم طلب منا الاتصال بعبلة محيي الدين (رئيسة المجلس)، التي اكتفت بالقول: «نعمل على مشاريع عديدة، ولما نخلص هنبقى نعلن دا... ما نحبش نصرح بشيء».