يرى كثيرون من المتابعين لخطابات الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أن الأولى من بين من ذكر لمحاربة الفكر المتطرف هي وزارة التعليم، على اعتبار أن هذه الوزارة هي المنوط بها العمل على العقول تحديداً وتنمية الطلاب، في ظل وضع تواجه فيه البلاد موجة مسلحة في سيناء، وتهديدات داخلية أخرى. عملياً، لم تتخذ دولة السيسي خطوات حقيقية وفعالة لتطبيق ما طلبه رئيسها، ولم يظهر أي أثر في الإعلام أو المساجد لتجديد الخطاب الديني، ولم يمنع أي من السلفيين من الخطابة في المساجد.


في المقابل، أظهرت «التعليم» فكرة جديدة للعمل على مطلب الرئيس، هي مشروع «الأمن الفكري» الذي بدأ تطبيقه بعد عامين من النقاش. ويظهر أن ثمة عزماً كبيراً في التنفيذ، برغم أن المشروع من المقرر أن يستمر خمسة عشر عاماً (حتى سنة 2030)، وفق رئيس فريق «إعداد استراتيجية الأمن الفكري»، ناصر السيد.
وبالرصد الميداني، باشرت الوزارة مع بداية الدراسة اجتماعات مطولة مع مسؤوليها في المحافظات لتعريفهم بخطة تطبيق هذا المشروع وهدفه، لافتة إلى أنه «أفضل الطرق للحصول على فكر واعٍ مستنير مبني على حب الوطن والانتماء الحقيقي». والخطة ستبدأ «بنشر ثقافة الأمن الفكري في المدارس، مروراً بممارسة أنشطة معينة في نوادٍ للأمن الفكري تدعم ذلك المشروع، ليصل الأمر بعد ذلك حتى تحتوي المناهج الدراسية نفسها هذه الأفكار بصورة عامة دعماً للمواطنة والانتماء واحترام القانون وحق الاختلاف».
لكن ما لم تقله الوزارة لمسؤوليها في المحافظات هو أن المشروع تطل رأس الوهابية منه، لأن بنوده وطرق تطبيقه تتشابه مع محاضرة قديمة أُلقيت في تشرين الأول 2010 وموجودة على الموقع الإلكتروني لشيخ سعودي يدعى سعد بن عبد الله البريك، وهو ممنوع أصلاً في السعودية من ممارسة الدعاية والخطابة. ولنا أن نتخيل إذا كانت رأس الوهابية تمنعه من الخطابة، فكيف لمصر أن تستعين بأفكاره؟
المشكلة أنه برغم قدم الفكرة فعلاً ومرورها بمراحل من الدراسة والتمحيص، وبرغم نفي الوزارة استعانتها بأفكار الشيخ الممنوع من الخطابة من السعودية، فإن ما تنوي «التعليم» فعله يتطابق مع ما جاء في كتاب «الأمن الفكري وعناية المملكة العربية السعودية به»، لمؤلفه عبدالله بن عبد المحسن التركي، وهو أيضاً محاضرة ألقاها المؤلف في مقر تدريب الأمن في مكة المكرمة. ومن المستحيل طبعاً أن يصلح ما يقال لقوات الأمن في معسكرات التدريب في السعودية ليقال للطلاب في قاعات الدراسة المصرية، ويعتقد أنه «أمن قومي مصري» هدفه «العمل على حماية أولادنا وصيانة فكرهم من أنواع الغزو الثقافي الهدام الذي قد يتعرضون له». عموماً، إن تعليم الطلاب نبذ العنف يتناسب عكسياً مع مشاهدتهم على الشاشات فضّ تظاهرة لعدد ممن يحملون شهادات الماجستير والدكتوراه منذ أيام قليلة بالقرب من مقر وزارة التعليم نفسها وسط القاهرة، برغم أن الأهداف المعلنة للمشروع «حماية أفكار الطلاب ومعتقداتهم ودعم الطمأنينة والأمن النفسي لديهم، لخفض العنف المدرسي ومنع التطرف». كذلك لم يسأل وزير التعليم نفسه كيف لطلاب لا يهتمون لمقررات الدراسة ودولة معروف عن تلاميذها ظاهرة الغياب الجماعي من المدارس والذهاب الجماعي إلى الدروس الخصوصية أن تحارب التطرف في الفصول الدراسية؟ فلعل من الأولى أن يأتي التلاميذ إلى المدارس أولاً، ثم تعليمهم محاربة التطرف، علماً بأن إحصاءات رسمية مسجلة لدى الوزارة نفسها آخر العام الدراسي الماضي تقول إن نسبة الغياب في الصف الأول الثانوي بلغت 20.38% وفي الثاني الثانوي 20.64%، أما في الثالث الثانوي فبلغت 20%.