strong>«بنك عودة»: اقتصاد جريء... عليه التوجّه صوب الاستدامة

ضعُف الاقتصاد الإماراتي كثيراً، فبعد نسبة نموّ بلغت 6.3% و7.4% في العامين الماضيين، تغرق الأرقام في الأحمر في 2009 ليتقلّص الناتج بنسبة 0.1%. السبب المباشر هو أزمة الائتمان، لكن هناك خلل هيكلي ظهرت نسخته الأخطر في دبي. ما هي طبيعته وانعكاساته على البلد الخليجي ومحيطه، وتحديداً لبنان؟

حسن شقراني
يتّضح من دعوة حاكم دبي، محمّد بن راشد آل مكتوم، مواطنيه إلى «التشمير عن سواعدهم» لدعم الاقتصاد المترنّح، أنّ الأوضاع في الإمارة لن تعود إلى ما كانت عليه قريباً. فالأزمة الماليّة كشفت خيبات الفقاعات في المنطقة تماماً، وكشفت كذلك خيبات العولمة غير المسؤولة. ولا بدّ الآن من تحمّل عواقب السياسات الائتمانيّة التوسّعية التي أدّت إلى وصول دين دبي إلى 100 مليار دولار (التقديرات الأحدث لمؤسّسة التصنيف الائتماني «Moody’s»).
تحمّل العواقب يعني بطبيعة الحال أنّه يجب إعادة النظر بالنموذج الاقتصادي القائم الذي رغم جميع التساؤلات حقّق نتائج ملموسة للإمارة المفتقرة إلى النفط (فقط 6% من نشاطها الاقتصادي)... غير أنّها إنجازات ورقيّة.

النموذج والتحدّيات

التفكير بإعادة صياغة النظام في الإمارة المعجزة، هو جزء من عمليّة أوسع تعني الاقتصاد الإماراتي بأكمله، تحدّث عنها تقرير اقتصادي جديد أصدره قسم الأبحاث في «بنك عودة» بعنوان «نموذج توسعي جريء يواجه تحديات جمّة».
يرى التقرير الذي أعدّته بعثة من المصرف زارت البلد الخليجي، أنّ الضعف الملحوظ حالياً في ثاني اقتصاد عربي يرجع إلى أنّ الأزمة الماليّة العالميّة «ولّدت مجموعة من العوامل الخارجيّة المخالفة للنموّ، وتحديداً في ما يتعلّق بقطاع النفط والصادرات والاستثمارات الأجنبيّة المباشرة والسياحة». ويُضاف إلى العوامل الخارجيّة «اعتبارات داخليّة مرتبطة تحديداً بقطاع العقارات والقطاع المالي».
فالأوضاع التي مرّ بها هذا الاقتصاد الخليجي صعبة بالفعل. بداية شهد نظامه المصرفي نموّاً في القروض الممنوحة بنسبة 2.7% فقط خلال الأشهر العشر الأولى من عام 2009 بعدما كانت النسبة خلال العام الماضي 42.1%.
وتزامن هذا التقلّص مع تراجع أسعار النفط بحوالى 50%، حيث كانت قد بلغت 147 دولاراً في تمّوز 2008، واستقرّت في جلسة تداول يوم أمس على نحو 79 دولاراً.
من جهة أخرى، يشدّد التقرير على الجوانب السلبيّة لتقلّص تمويل المشاريع الاستثماريّة، فنتيجته تمثّلت بانخفاض حجم الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة بنسبة 40%. ويتزامن ذلك مع مورد مهمّ للعملات الأجنبيّة، هو السياحة. فللمرّة الأولى منذ عقدين من الزمن يتراجع عدد زوّار هذا البلد الخليجي في عام 2009.
ورغم هذه المعطيات التي رُصدت على مدار العام، يقول التقرير إنّ الأوضاع في الإمارات بنهاية عام 2009 تبدو أفضل منها غداة انفجار فقاعة الائتمان في خريف عام 2008 وبدء تأثّر منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً بلدان الخليج العربي بتداعياتها.

ضعف وقوّة

وبهدف تحديد معالم تطوّر هذا الاقتصاد خلال الأعوام المقبلة، يلجأ التقرير إلى تفنيد إيجابيّاته وسلبيّاته، ويقول إنّ «على مستوى نقاط القوّة» هناك الاستقرار السياسي وارتفاع حصّة الفرد من الناتج وموارد الوقود الغنيّة والاحتياطات النقديّة الأجنبيّة الكبيرة التي تفوق 300 مليار دولار، أي ما يساوي 3 أضعاف ديون دبي.
وتُُضاف إلى ذلك البنية التحتيّة المميّزة التي تتمتّع بها البلاد نظراً للاستثمارات الهائلة التي خُصّصت لتطويرها خلال السنوات الأخيرة.

اقتصاد الإمارات مهمّ إقليمياً، ويعمل فيه أكثر من 80 ألف لبناني
لكن هناك نقاط ضعف تتمثّل بـ«النظام المؤسّساتي الهشّ»، على حدّ تعبير التقرير. وهذه المسألة تأكّدت في خضمّ الأزمة الحاليّة التي تعيشها دبي مع ديون «دبي العالميّة» البالغة 59 مليار دولار. فحاكم الإمارة قال في تصريحاته التطمينيّة أمس: «الخلط بين مجموعة دبي العالميّة وحكومة دبي هو خاطئ». وهذا النوع من التصريحات هو ما يمكن أن يُنفّر المستثمرين الذين يفترضون بطبيعة الحال أنّ البلاد ومؤسّساتها «العامّة» كيان واحد.
وتمثّل «الديون المعدية المنتشرة» نقطة ضعف أخرى، بحسب التقرير، ويشير هنا إلى وضع دبي المالي الذي سعت الإمارة إلى احتوائه منذ بداية العام عبر برنامج اقتراض قيمته 20 مليار دولار استثمرت فيها حتّى الآن أبو ظبي 15 مليار دولار على نحو مباشر وغير مباشر.
كذلك هناك الاعتماد على النفط الذي قد يولّد تفاوتات كبيرة في مستويات الناتج المسجّلة عبر السنين.
والمخاطر الكبرى التي تتربّص بالاقتصاد، يقول التقرير، ترتبط أساساً بعدم إمكان تحقيق تعافٍ حقيقي في القطاع العقاري خلال الفترة المنظورة، إضافة إلى البيئة الإقليميّة، الأمنيّة والسياسيّة، الخطرة.

أهميّة إقليميّة

ونتيجة لهذه المعطيات والحقائق، يرى تقرير «عودة» أنّه في المدى القصير على الحكومة الإماراتيّة أن تدعم الاقتصاد، إن عبر تحسين الإنفاق العام، أو دعم الشركات التي تعاني مباشرة أو عبر الاستمرار بتوفير العون للقطاع المصرفي.
ويبرز هنا دور أبو ظبي المحوري ضمانةً للبلاد، نظراً لاحتياطاتها النفطيّة.
وفي المدى المتوسّط يرى التقرير أنّ «على الإمارات الابتعاد عن نموذج الإفراط في تحمية الاقتصاد صوب نموذج أكثر استدامة». فبين الخلل المرصود في القطاع المصرفي والمالي والخدماتي والعقاري هناك حاجة لجعل النموّ الاقتصادي حقيقياً، وغير مرتبط بفقاعات هشّة.
أمّا على المدى الطويل «فسيبقى النموذج الإماراتي الديناميكي الحالم صامداً، مستفيداً من مميّزاته التنافسيّة الأساسيّة التي لا يضاهيها أيّ اقتصاد في المنطقة»، يختم التقرير بالقول، مشيراً إلى أنّ انضمام البلاد إلى الوحدة النقديّة الخليجيّة التي انسحبت منها والتنويع الاقتصادي يبقيان عاملين أساسيّين أيضاً للحفاظ على «الدور الإماراتي الأوسع على الصعيد الإقليمي».
هذا واقع الاقتصاد الإماراتي عموماً. يثير بلبلة منذ حين بسبب المصاعب التي تمرّ بها دبي. وهو اقتصاد مهمّ إقليمياً، كما يؤكّد «عودة». مفيد للبنان، حيث يعمل فيه أكثر من 80 ألف لبناني، بينهم 30 ألفاً في دبي وحدها. وجزء مهمّ من تحويلات اللبنانيّين التي بلغت 7 مليارات دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري، مصدرها الإمارات. لذا فإنّ إعادة هيكلة اقتصاد هذا البلد الخليجي بعيداً من الفقاعات، عمليّة أساسيّة محلياً وإقليمياً، علّ أزمة دبي تكون محفّزاً لانطلاقها.


68 في المئة

هو معدّل الدين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي في الإمارات، وهي نسبة معقولة يمكن إدارتها بسهولة. تُضاف إليها عوامل إيجابيّة أخرى متعلّقة بالحساب الجاري وأوضاع الموازنة التي تسجّل فائضاً. ومن المتوقّع استمرار مراكمة الاحتياطات الأجنبيّة.


«إنّهم لا يفهمون»