تونس | شكلت استقالة الوزير المكلّف العلاقات مع البرلمان، الأزهر العكرمي، وهو القيادي البارز في حركة «نداء تونس»، مفاجأة سياسية في تونس، لجهة أنها تمثل الاستقالة الأولى من حكومة الحبيب الصيد، وأيضاً لجهة أنّ رسالة استقالته تضمنت أهم وأخطر نقد وُجّه إلى الحكومة منذ تشكيلها في شباط الماضي.


وتكمن خطورة الاستقالة في أنّ النقد أتى من «داخل البيت» وليس من جهة معارضة يمكن أن تُرد عليها الاتهامات وأن تُصنف في خانة التجاذبات السياسية. وقد يمكن التأكيد أنّ ما ضمّنه الوزير المستقيل في نص الاستقالة، أول من أمس، من اتهامات (من قبيل عدم وجود إرادة سياسية داخل الحكومة لمكافحة الفساد أو حتى أن الحكومة ليس كما توصف بحكومة الأيادي المرتعشة بل ليس لها أيدٍ) سيكون لها تداعيات سياسية في الفترة المقبلة.
وفي حديث لـ»الأخبار»، أكد العكرمي أنّ الاستقالة كانت موجودة كفكرة منذ أكثر من شهرين، لكنه فضّل دراسة القرار أكثر. غير أن تواصل إقصائه داخل الحكومة من المشاركة في اتخاذ القرارات وتغييبه عن الاجتماعات الكبرى، هي أمور جعلته يفضّل الاستقالة على تحمّل مسؤولية فشل حكومة ليس له دور فيها.
ومن بين الأسباب التي قال العكرمي إنها مثلت دافعاً للاستقالة، أنّ القرارات التي تتخذها الحكومة والتعيينات والتوجهات التي تصاغ، تصله عبر وسائل الإعلام، ثمّ يجد نفسه مطالباً بالدفاع عنها على اعتبار أن الحكومة يجب أن تكون فريقاً متضامناً. كذلك، أكد العكرمي أنه نبّه إلى ملفات الفساد، وقال: «وجدت نفسي كمن يصيح في الربع الخالي أو من يجدف في بحيرة لا ماء فيها، في حكومة قيل إنّ أيديها مرتعشة وأنا أقول أن لا أيادي لها أصلاً لترتعش». رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، اعتبر في تعليقه على استقالة الأزهر العكرمي أنّ الأمر حق من حقوقه، مستدركاً أن الحكومة نجحت نسبياً على عكس ما صرح به الوزير المستقيل.
أما عن تداعيات هذه الاستقالة على العلاقة بين الحكومة وحركة «نداء تونس» (الحزب الأبرز على الساحة السياسية)، فقد قال الحبيب الصيد: «لا أظن ذلك... الاستقالة لن يكون لها أي تأثير على سير عمل الحكومة ولا على علاقتنا بحركة نداء تونس... نحن أصدقاء ونكنّ الاحترام لبعضنا البعض».

تداعيات محتملة

المنصب الذي أصبح شاغراً في حكومة الحبيب الصيد ليس بالمهم، لكن سياسياً فإنّ الأمر يختلف لأنّ استقالة العكرمي عرّت الإشكالات داخل الحكومة وعرّت علاقتها بـ «نداء تونس» في شقه اليساري. ويرى هذا التيار الذي ينتمي إليه العكرمي أنّ رئيس الحكومة يتجاوزهم ولا يولي أي أهمية لرأيهم.
«نداء تونس»، وتحديداً في شقه اليساري المسيطر على المكتب السياسي وكل مؤسسات الحزب، ساند استقالة زميلهم الوزير العكرمي، وقال على لسان عضو المكتب السياسي، عبد المجيد الصحرواي، في حديث لـ»الأخبار»: «نحن ندعم قرار العكرمي خاصة مع (وجود) الأسباب التي ذكرها، فليس من المعقول أن يتحمل مسؤولية قرارات لم يشارك في اتخاذها وفساد يدفع لمحاربته دون جدوى».
وقد ذهب منذر بلحاج علي، وهو أيضاً عضو مكتب سياسي في «نداء تونس» ومحسوب على الشق اليساري، إلى ضرورة استبدال الحكومة الحالية بحكومة سياسية تعكس نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي حصل فيها حزبه على أعلى نسبة من الأصوات.
من جهة أخرى، قال رئيس كتلة «حركة النهضة» البرلمانية، نور الدين البحيري، في حديث لـ»الأخبار»، إن استقالة العكرمي مفاجأة وغير متوقّعة. واكتفى بالقول إنه يتمنى أن لا تكون لها تأثيرات على العمل الحكومي وعلى الائتلاف الحاكم، خاصة أن البلاد في حاجة لتوافق سياسي وليس لهزات سياسية.
عموماً يمكن الاستقالة الأولى في حكومة الصيد أن تؤدي إلى إعادة خلط الأوراق داخل الائتلاف الحاكم نفسه، المتكوّن من «نداء تونس» و»النهضة» و»آفاق تونس» و»الاتحاد الوطني الحر»، في وقت يبدو فيه أنّ المجال بات مفتوحاً أمام تعديل وزاري تتجنبه الحكومة منذ فترة باعتبار أنه سيكون مؤشراً على الإخفاق.