بغداد | لم تكن مباغتة «داعش» وليدة الصدفة أو مهيّأً لها، إنما جاءت وفق معطيات عديدة، منها أمنية بحتة والأخرى سياسية دولية، ومنها ما يتعلق بـ«داعش» نفسه. وقد حصلت هذه المباغتة بعد استكمال التحضيرات اللازمة للقوات الأمنية، وتزويد القطعات الأمنية في الرمادي والتي تقف على مسافات متباعدة من محاور الرمادي الأربع، بالعجلات والمدرعات الحديثة ومضادات العجلات المفخّخة المدرعة، بحسب العقيد في قيادة عمليات الأنبار أيوب الجغيفي.


وقال الجغيفي لـ«الأخبار» إن «تأخّر عملية تحرير الرمادي كان له أسباب عديدة، منها ـ كما صرّح رئيس الوزراء حيدر العبادي ـ ارتفاع درجات الحرارة فوق المعتاد، وأخرى تتعلق باستكمال العدة اللازمة من السلاح والعتاد لمثل عملية كبرى كهذه».
وقد حصلت العملية في الوقت الذي كثف فيه، خلال اليومين الماضيين، وعلى غير عادته، طيران «التحالف الدولي» طلعاته الجوية وعمليات القصف الدقيق لتجمعات وأوكار ومخازن عتاد «داعش» وسط الرمادي، بالتزامن مع تلويح روسيا بشن غارات جوية على العراق.
المحلّل العسكري والسياسي علي الشمري قال لـ«الأخبار» إن «تلويح روسيا بشنّ ضربات جوية داخل الأراضي العراقي، جعل الولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي يعيدان خريطة الحرب على داعش، لا سيما في العراق»، مضيفاً أنه بعدما كانت الولايات المتحدة «تتجاهل تحركات داعش وقصف مراكزه، باتت اليوم تكثف طيرانها وقصفها للتنظيم، لقطع الطريق على الحكومة العراقية والاستعانة بالروس لتنفيذ هذه المهمة».
وقد تزامنت العملية العسكرية المباغتة مع نقل «داعش» لأكثر من ألفين من مقاتليه الموجودين في الرمادي إلى الرقة السورية، يوم الأحد والإثنين الماضيين، بعد ورود معلومات عن عملية كبرى مرتقبة على الرقة، بدعم جوي روسي.
المتحدث باسم العمليات المشتركة العميد يحيى رسول، أكد لـ«الاخبار» تقدم القوات الأمنية بسرعة، في الرمادي مركز محافظة الأنبار. قال رسول إن «القوات الأمنية باتت تتقدم داخل المدينة، ولا سيما بعد انهيار ثلاثة خطوط صدّ لداعش من محور المدينة الشمالي والغربي والشرقي، في الوقت الذي تطبق فيه القوات الأمنية على المحور الجنوبي»، متوقعاً «اقتحام مركز المدينة خلال اليومين المقبلين».
المقدم عارف الدليمي، أحد آمري أفواج الفرقة الذهبية التابعة للقوات الخاصة العراقية المشاركة في عمليات الرمادي، أكد أن «داعش بات مرتبكاً جداً داخل مدينة الرمادي، وهو الآن لن يقدر حتى على الانسحاب من المدينة، بعدما أطبقت القوات الأمنية الخناق على كافة مداخل المدينة ومخارجها، ومن على ضفتي نهر الفرات».
وأضاف أن «القوات الأمنية، ولا سيما الفرقة الذهبية، نفذت العديد من الإنزالات الجوية وسط الرمادي، كما في الجمعية وشارع 17، فيما ينتقل العناصر على الأرض بسرعة فائقة بين المنازل، وصولاً إلى الشوارع العامة ووضع قناصين لرصد تحركات التنظيم وشل حركته».
وعن المناطق التي تمكنت القوات الأمنية، خلال الساعات القليلة الماضية، من بدء عمليات تحريرها، قال الدليمي إن «القوات الأمنية حررت مناطق الحميرة وجامعة الأنبار والبوذياب والبومحل والبوعلي الجاسم والبوريشة والبوفراج وزنكورة والزراعة والقادسية الأولى والثانية والبوعبيد وجزءاً من مناطق الخمسة كيلو والسبعة كيلو».
وما زال «داعش» يسيطر على عدد من المناطق، منها الصوفية التي تعتبر النقطة الأصعب في المعارك، والحامضية، ومقر قيادة عمليات الأنبار القريب من نهر الفرات والورار والضباط والبوعلوان.
ولجأ «داعش» إلى جمع العوائل في الرمادي من العديد من المناطق وحصرهم في منطقة الملعب، التي يظن التنظيم أنها ستكون نقطة الاشتباك فيستطيع، بذلك، استخدام العوائل كدروع بشرية.
العمليات التي يشارك فيها أكثر من 15 ألف عنصر، بمشاركة واسعة من أبناء العشائر السنية، مقابل ما يقارب 1800 عنصر من «داعش»، لم تكن وحدها في الأنبار، بل شنّت القوات الأمنية عمليات أخرى إلى الغرب في منطقة حديثة وهيت والبغدادي، وصولاً إلى عمق وادي حوران لقطع إمدادات التنظيم من قضاء القائم نقطة التقاء المحافظة في سوريا.
العمليات، حتى الآن، أدت إلى تحرير ما يقارب 45% من مساحة الرمادي، فيما أكدت قيادات أمنية أن العملية ستحسم وتطهر المدينة، بنحو نهائي، خلال الأسبوعين المقبلين.
ويمكن اعتبار المناطق التي تم تحريرها الأصعب في معارك الرمادي، عدا الصوفية، لأنه بسيطرة القوات الأمنية على ضفتي نهر الفرات، شلت حركة «داعش» وجعلته يتخندق وسط المدينة، وهو يعلم أنه لن يستطيع الهروب، هذه المرة، كما حدث في تكريت.
وفيما جرى تحرير كامل الرمادي والالتفافات حول هيت وقطع إمدادات التنظيم من سوريا، فإن الهدف المقبل والأسهل سيكون الفلوجة معقل «داعش» الرئيسي في الأنبار، والتي إذا ما تمّ تحريرها، فإن ذلك يعني زوال الخطر، بشكل نهائي، عن العاصمة بغداد.
بالتزامن مع هذه التطوّرات على المستوى الميداني (الأخبار)، قام منسق «التحالف الدولي» جون آلن والسفير الأميركي في العراق ستيوارت جونز، أمس، بتحركات سياسية تدخل في الإطار ذاته، من خلال جولة على المسؤولين العراقيين. وأثناء اللقاء مع وزير الداخلية، توقع آلن تحرير مدينة الرمادي في القريب العاجل، فيما أكد أن قوات «التحالف» ستعمل على دعم عمل وزارة الداخلية وقواتها القتالية.
كذلك، بحث آلن مع رئيس مجلس النواب سليم الجبوري «الجهود اللازمة لتحرير محافظتي الأنبار ونينوى»، بحسب ما أفاد بيان صادر عن مكتب الجبوري.
في سياق آخر، أفاد مصدر محلي في محافظة كركوك بأن تنظيم «داعش» اختطف 200 شخص (جنوب غربي المحافظة)، بتهمة التعاون مع الأجهزة الأمنية. وقال المصدر إن «عملية اختطاف هؤلاء الأشخاص جرت بتهمة تسريب معلومات عن أماكن قادة داعش إلى البيشمركة والحشد والمؤسسات الأمنية، على خلفية مقتل عدد من هؤلاء القادة في الأيام الماضية».
كذلك أفاد زعماء عشائر والأمم المتحدة بأن «داعش» أعدم 70 شخصاً من إحدى العشائر الموالية للحكومة العراقية في محافظة الأنبار، الأسبوع الحالي. وقال نعيم الكعود إن «تنظيم داعش الإرهابي اختطف وأعدم 70 شخصاً من أبناء عشيرة البونمر في منطقة الثرثار» شمال الرمادي.