رام الله | على بعد خمسة أمتار فقط، وفي ظرف ثوانٍ معدودة، تأكد من إخفاء ملامحه بكوفية فلسطينية. أخرج مسدساً كان قد دسّه تحت قميصه، واستقرت رصاصته في رأس متظاهر فلسطيني كان يلقي الحجارة إلى جانبه. انتبه الجميع وصاروا يصرخون: «مستعربين مستعربين»، فبدأت حالة رجوع إلى الوراء بين صفوف المتظاهرين، فيما استقوى جنود العدو الإسرائيلي، وبدأ غاز كثيف يطلق على المنسحبين. أما من وقعوا في الفخ، فكان نصيبهم كبيراً من ضربات الجنود والمستعربين على حد سواء.


مشهد جرى أمس في حي البالوع، شمال رام الله، وقد تكرر في عدد من التظاهرات في نقاط التماس، في مدن الضفة المحتلة. وعادة، كلما تحتد المواجهات ويزداد عدد المتظاهرين، يتكرر إطلاق المستعربين لاختراق صفوفهم وتنفيذ المهمات الخاصة.
«لا نعرفهم. ملامحهم شرقية، وتقريباً مغطاة بكوفية أو علم أو قميص، مثلناً تماماً! يخرب بيتهم... مرة وحدة بهجموا مع بعض وببلشوا ضرب، ودايماً مسلحين وسلاحهم تحت البلوزة»، يقول أحد المتظاهرين بالقرب من مستوطنة «بيت ايل»، شمال رام الله، بعدما ألقى جنود العدو، بمساعدة المستعربين، القبض على زميله المصاب. يشير إلى مكان المواجهات ويضيف: «كغيرنا من طلاب جامعة بيرزيت خرجنا (أمس) في مسيرة نفير وغضب لنصرة الأقصى. استنفر الجنود بمجرد وصولنا، وبدأت المواجهات تحتد شيئاً فشيئاً. وفجأة أخرج المستعربون من بيننا سلاحهم وصوّبوه علينا».


«تعميم: حطّوا البلوزة تحت البنطلون، المستعرب بقدرش يحطها علشان سلاحو»

وهذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها جيش العدو المستعربين، كذلك فإن المتظاهرين يعلمون خطورة أن يكون هؤلاء بينهم، لأن نجاحهم كفيل بتخريب المسيرة وإحباط المتظاهرين وقلب ميزان المواجهة المختل أصلاً لمصلحة الاحتلال كلياً. والمشكلة أن معظم المتظاهرين لديهم خلفية متواضعة عن المستعربين، وهي أنهم جنود من الوحدات الخاصة الإسرائيلية يتخفون بلباس مواطنين مدنيين مع الحرص على أن يكونوا من ذوي الملامح الشرقية.
يقول المتابع للشأن الاسرائيلي، أنس أبو عرقوب، إن «فكرة المستعربين فكرة قديمة منذ نشأة الحركة الصهيونية في فلسطين، حينما شكلت الهاغاناه جهازاً يدعى المستعربين كان هدفه التجسّس والدخول إلى المجتمع الفلسطيني على أساس أنهم علماء أو سياح، أو حتى صحافيون أو مقاومون». ويضيف: «بعد قيام دولة الاحتلال، دمجت وحدات المستعربين في جهاز الشاباك والجيش الإسرائيلي، بل إن بعض المستعربين تزوّجوا بفلسطينيات وعاشوا بينهم». ومع انكشاف عدد كبير منهم في الخمسينيات، توقف عملهم، ولكن قرر إيهود باراك إعادة تشكيل الوحدة مرة أخرى لقمع الانتفاضة الأولى عام 1988. وقبل أيام، اقتحمت مجموعة من المستعربين المستشفى العربي التخصصي في نابلس (شمال)، وأظهرت كاميرات المراقبة عدداً منهم وهم يدخلون المستشفى مدّعين أن أحدهم مصاب وبحاجة إلى علاج. ووفق الرواية الأخيرة، فقد دخلت قوات خاصة إسرائيلية بالتوالي على ثلاث مجموعات، إحداها تولّت احتجاز عناصر أمن المستشفى، ثم صعدت مجموعتان لاختطاف أحد المصابين.
«هذه عملية خطف»، يقول المتابع للشأن الإسرائيلي، محمد أبو علان. «خطورتهم تكمن في عنصر المفاجأة الذي يستخدمونه في عمليات الخطف والتخفي بالزي المدني واستخدام مركبات تحمل لوحات تسجيل فلسطينية».
«تعميم لجميع أبطال الحجارة: حطوا البلوزة تحت البنطلون، المستعرب بقدرش يحطها علشان سلاحو، هذه الطريقة كانت متبعة في مواجهات مخيم شعفاط وأثبتت نجاعتها»، سارع إلى ترديد ذلك عدد من الإذاعات المحلية وصفحات التواصل الاجتماعي، أمس. رغم ذلك، فإن التدريبات التي تلقّاها هؤلاء، على مدار سنوات، تجعل كشفهم أصعب كل مرة. كذلك يتدرب الجنود والمستعربون على اللغة العربية، فيما جزء كبير منهم هم يهود شرقيون تعلموا نمط الحياة الفلسطينية. يشرح أبو عرقوب أن «المستعرب الذي يتحدث العربية بطلاقة» ينتحل صفة «مقاوم أو مسعف أو مواطن عادي»، أما المستعرب صاحب الملامح الغربية أو الذي لا يتحدث العربية بطلاقة، فإنه ينتحل صفة «صحافي أو ناشط أجنبي». ويقول: «لديهم ثلاث مهمات رئيسية: وحدة مستعربين تابعة لحرس الحدود وتنشط في القدس لاعتقال الفلسطينين، وخاصة الفتية غير المسلحين، ووحدة تابعة للجيش وهي الأكثر احترافاً وتنفذ عمليات مثل اعتقال مقاومين مسلحين أو اغتيالهم، ووحدة أخيرة في الشاباك مهمتها الاعتقال أو الاستطلاع في المجتمع».