يجهد الإعلام والساسة الخليجيون في تبرير العدوان على اليمن، يستقدم الخبراء والساسة وقادة الرأي والتخصصات لشرح حيثيات غزوهم لهذا البلد الذي يعيش معظم سكانه تحت خط الفقر. فجأة أصبح الأمراء والقادة من كبار المخططين الاستراتيجيين وأصحاب الرؤى البعيدة المدى من المدارس والفكر العسكري. يتماثلون بنظريات الأمن الإسرائيلي التي كانت قائمة بالحرب الاستباقية، والحسم، والردع، والذراع الطويلة. ويتماثلون كذلك بتجربة الغزو الأميركي للعراق لاستشعار واشنطن بالخطر من بغداد أو تجربة الاحتلال السوفياتي لأفغانستان.


فات هؤلاء، أن نظريات الأمن الإسرائيلي التي اعتمدت منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي، سقطت إلى غير رجعة. والمفهوم الجديد الذي يعتمده العدو قائم على الدفاع عن الجبهة الداخلية أمام الصواريخ التي تهدد العمق الداخلي. أما الغزو الأميركي للعراق، فانتهى إلى هزيمة نكراء لأكبر جيوش العالم عدة وعتاداً. ثم هرب الأميركيون تحت جنح الظلام، وسرعان ما استُبدل بنظرية الرئيس السابق جورج بوش القائمة على الهجوم في أي مكان من العالم، نظرية الانكفاء وعدم التورط بحروب برية في أي مكان من العالم. أما الغزو السوفياتي لأفغانستان، فقد أدى إلى هزيمة موسكو وانسحابها بعد احتلال دام عقدين من الزمن، وعلى أثرها تفكك الاتحاد السوفياتي وانهار.
في ستينيات القرن الماضي احتل الجيش المصري اليمن ووقع في المصيدة لمدة سبع سنوات أدت حصيلتها إلى مقتل ثلاثين ألف جندي وضابط مصري، وانسحب في النهاية. وكان لخروجه الأثر الكبير بهزيمته في عدوان عام 1967 أمام العدو الإسرائيلي.
يبدو أن هؤلاء الأمراء والحكام والساسة، ولفيفهم من بعض أصحاب الرأي، قد سقطوا تحت تأثير التضليل الإعلامي والتحشيد المذهبي الذي تبثه فضائياتهم وصحفهم ليل نهار. وعنوان المعركة أن صنعاء باتت العاصمة الرابعة بعد بغداد ودمشق وبيروت المنتقلة إلى المحور الذي تقوده إيران. ولم يعد خافياً أن وزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، لم يترك فرصة إلا ذكّر جاليسه بعدم تحمله وجود بغداد ودمشق عاصمتي الخلافة الإسلامية عبر التاريخ خارج الوصاية الوهابية، والله أعلم ما إذا كان الرجل مات كمداً على ذلك.
لقد حول هؤلاء الحكام الموازنات لتمويل حروب المنطقة بأكملها. من دعم صدام حسين في عدوانه الظالم على إيران، إلى تمويل الحرب الأهلية في لبنان. والانتقال الآن إلى قيادة غير مباشرة لحرب شرسة في سوريا والعراق، تستخدم فيها كل الإمكانات المالية والسياسية والإعلامية والتسليحية والثقافية... ولم يتركوا وسيلة إلا استخدموها. فقط أمام العدو الإسرائيلي في فلسطين، يلجأ هؤلاء إلى الدبلوماسية والود والخوار.
ما يظن هذا الطاقم أنه مجهول، أن قيادة العدوان على اليمن، لا تجري باسم نظريات الأمن والاستراتيجيا، ولا بمفهوم حماية الحدود والوطن وحفظ الاستقرار في المنطقة، بل بمعرفة صالات العروض في أوروبا ورواد علب الليل في عواصمها. أما ما دفعهم إلى العدوان على اليمن، فهو غرورهم الذي سخف عليهم المهمة، والحقد الذي أعماهم، فجعلوا صبية يتولون أمر الشعوب، برفقة كهول معلولين عاجزين.