«حماس» تتمسك بشروطها وتحمّل تل أبيب مسؤولية العرقلة


محمد بدير
انشغلت الصحافة الإسرائيلية، أمس، بالتعليق على التطورات التي تشهدها قضية الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط. وتمحورت كتابات أصحاب الأعمدة الرئيسيين حول أجواء التردد التي تلف المداولات بهذا الشأن، فرأى معظمهم أن ما يحصل ما هو إلا رسالة يحرص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على بثّها إلى الجمهور الإسرائيلي لإظهار حالة «التمزق التي تعتريه بين معارضته المبدئية لتحرير الإرهابيين والتزامه الأخلاقي بإعادة شاليط من أسر حماس».
وكتب ألوف بن في صحيفة «هآرتس»: إن الغاية ممّا يقوم به رئيس الوزراء هو أنه «يريد من الجمهور أن يتفهّمه»، وخصوصاً في ظل «ترويجه في الماضي للموقف المتصلب حيال الإرهاب».
وأضاف الكاتب «أن معضلة نتنياهو تتلخص بمعرفته بأنه إذا ما حرّر الإرهابيين الكبار الى بيوتهم في الضفة الغربية، فإن كل عملية مستقبلية من هناك ستُسجل على اسمه. وحتى لو لم تكن العمليات مرتبطة بالصفقة، سيتهم نتنياهو بإعطاء ريح إسناد للإرهاب، بسبب خضوعه لمطالب حماس»، لكنه من جهة «يدرك أنه يجب استعادة شاليط، ولذلك يبدو أن المباحثات الماراتونية ترمي الى توفير غطاء لنتنياهو كي يري الجمهور وعائلة شاليط كم يتعذب في اتخاذ القرار».
من جهته، رأى مراسل الشؤون العسكرية في الصحيفة نفسها، عاموس هارئيل، أن التوتر الجاري يأتي في سياق «الحرب النفسية بين إسرائيل وحماس»، والتي يسعى كل طرف فيها إلى «توليد الانطباع اللازم لدى الخصم قبيل الحسم النهائي بشأن الصفقة».
ورأى هارئيل أن «كل ما يسرّب الى وسائل الإعلام في الأيام الأخيرة لا يزال جزءاً من المفاوضات: تهديدات، ضغوط وتنازلات في الطريق الى النتيجة النهائية». واتفق هارئيل مع زميله في الصحيفة لجهة تفسير أداء نتنياهو الذي عمد إلى «التعتيم على عملية اتخاذ القرارات والسيطرة على المعلومات الخارجة منه عبر خطوة مصطنعة هي نقل النقاش إلى السباعية. فالهيئة التي يُفترض بها أن تقرر في صفقات الأسرى هي الحكومة، وعلى الأقل المجلس الوزاري. وفي هذين المحفلين من المتوقع، حسب استطلاعات مسبقة أجراها الصحافيون بين الوزراء، أغلبية كبيرة للصفقة».
ورأى هارئيل أن «نهج نتنياهو يلفّه من الغموض أقل مما يعتقدون. فرغم كل شيء هو الذي قرر مع تسلّمه مكتب رئيس الوزراء استئناف المفاوضات من المكان الذي توقفت عنده، وعملياً تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها سلفه، إيهود أولمرت». وأضاف «لو لم يكن نتنياهو يرغب في صفقة تترافق مع تنازلات كبيرة لما كان وافق أبداً على نشر الشريط الأخير الذي ظهر فيه الجندي المخطوف في تشرين الأول الماضي».
التفسير نفسه اعتمده كبير المحلّلين في «معاريف»، بن كسبيت، الذي كتب أن نتنياهو «يحاول تقليص الضرر وإعداد حجة دفاعية عن نفسه. فهو جعل حياته كلها سيرة للمزايدة على أولئك الذين خضعوا للإرهاب، وها هو يوشك على أن يصبح أول هؤلاء الخاضعين. في هذه الأثناء، يواصل التردد. التعادل العنيد والمستقر في السباعية يزعجه. فأسهل عليه لو كانت هناك غالبية بارزة في هذا الاتجاه أو ذاك بحيث يكون بوسعه أن يختبئ خلفه، لكنه لا يستطيع».
ويتابع كسبيت «يا لها من بهجة حين كان في المعارضة. كان يمكنه أن ينتقد، أن يزايد، أن يقدم اقتراحات وأن يرسم خطوطاً حمراء. كم هي خطاباته ملتهبة تلك التي كان سيلقيها ضد صفقة شاليط لو أنه كان رئيس المعارضة. لماذا أولمرت، هذا النذل، لم ينهِ هذه القصة وينظف الطاولة؟ من أجل ماذا أبقى له هذا؟».
بدوره، تطرق المراسل العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، إلى جوهر الرد الإسرائيلي على اقتراح صفقة شاليط بصيغتها الحالية، ودلالاته العملية على مستقبل الصفقة، فرأى أن إسرائيل على ما يبدو تقول «نعم» للصفقة، لكن في الوقت نفسه أضيف إلى هذه «النعم»، «لكن» كبيرة.
وأضاف أنه يمكن التقدير بأن مداولات «السباعية» الماراتونية تركزت أساساً بعمق وقوّة في هذه الـ«لكن»، والسبب في ذلك هو أن نتنياهو يريد، بحسب فيشمان، قراراً مع غالبية متماسكة في السباعية، ولهذا الغرض فإنه اضطر إلى أن يخيط بذلة من استدراكات الـ«لكن»، التي هي «عملاً سحرياً أكثر منه خياطة سياسية».
وتطرق فيشمان إلى معضلة نتنياهو، فأشار إلى أنه من جهة يتعيّن عليه أن يرضي الوزراء الثلاثة المعارضين للصفقة، لكن من جهة أخرى لا يجوز له أن يخلق لدى الوزراء الثلاثة المؤيدين للصفقة الإحساس بأنه يسحب البساط من تحت أقدامهم، ويتشكل في اللحظة الأخيرة جواب سلبي يسقط الصفقة تحت غطاء اشتراطات معقولة.
ويرى فيشمان أن كل جواب لا يتضمن «نعم مطلقة، وفيه لكن» هو بمثابة رهان. والرهان، في هذه الحالة «هو أساساً على الحالة الصحية، إن لم يكن على حياة جلعاد شاليط». وعليه، كل جواب تعطيه إسرائيل لا يكون قريباً بما فيه الكفاية من الصيغة التي بلورها المبعوث الألماني من شأنه أن يؤدي إلى تأجيل المفاوضات لفترة زمنية غير معروفة. ومع ذلك، لا يرى فيشمان خطراً من أن تتفجر المفاوضات، لكون «حماس» معنيّة بها.