تسارعت وتيرة ظهور جوانب إضافية من الاتفاق الذي عقدته القيادة السورية مع حلفائها الروس والإيرانيين وحزب الله. بنود الاتفاق بدأ التحضير لها منذ شهور، سواء على مستوى بنك الأهداف أو على مستوى خطط العمليات البرية المنوي تنفيذها. وبالإضافة إلى «مفاجأة» دخول الطائرات الروسية ضمن معارك الجيش السوري، كانت المفاجأة في التشكيلات السورية الجديدة بحضورها غير المسبوق، ضمن عمليات كبيرة على محاور عدة في وقت واحد.


هذا الحضور اختلف عن السابق، عندما كان المسلحون يستوعبون هجمات الجيش التي كانت تُشن على محور واحد. اما ما شهدته الأيام الماضية، فتمثل في فتح الجيش لعدد من المعارك على اكثر من جبهة في آن معاً، وهو ما لم يحدث منذ بداية العام الجاري.
منذ سنة كاملة كان الجيش السوري يطوي آخر معاركه الجدّية في ريف حماه الشمالي على الطريق الرئيسي بين حماه وإدلب. استردّ أواخر شهر تشرين الاول 2014 بلدة مورك الاستراتيجية ثمّ باءت محاولته التقدّم نحو خان شيخون بالفشل (ريف إدلب الجنوبي)، لتهدأ تلك الجبهة.
ثم كرّت سبحة الخسائر من معسكري وادي الضيف والحامدية في 15 كانون الأول 2014 (كان من أهداف استكمال المعارك بعد مورك فك الحصار عن المعسكرين) وصولاً إلى إدلب وجسر الشغور وأريحا وجميع المناطق الإدلبية منذ آذار الماضي.
بعد سقوط محافطة إدلب (ما عدا كفريا والفوعة)، لم يحاول الجيش سوى استعادة القرى التي خسرها في سهل الغاب لما تشكّله من خطر محدق على محافظة اللاذقية وعلى مناطق سيطرته المتبقية في مدينة حماه وريفها. نهاية شهر آب الماضي، كانت المحاولة الأخيرة في سهل الغاب حيث لم يستطع الجيش سوى التثبيت في قرية خربة ناقوس، بعد سيطرته لساعات على قرى عدة كالمنصورة وتل واسط والزيارة.
حالة من المراوحة الدفاعية بدأت منذ شهور طويلة، ليظهر الجيش في موقع المدافع عن نقاط وجوده فقط، ومنع تمدّد المسلحين بعد فورة كبيرة في الجنوب (خسارة بصرى الشام، ومعبر نصيب، واللواء 52)، وخمس محاولات ضخمة للسيطرة على مدينة درعا وجزء من ريفها (معارك «عاصفة الجنوب»)، وخسارة تدمر ومناطق مهمة إضافية في ريف حمص الشرقي، ومحاولات «داعش» المتكررة للسيطرة على مدينة الحسكة وإسقاط مطار دير الزور المحاصر والأحياء الموالية للدولة السورية في المدينة.


سيطر الجيش
أمس على نقاط
عدة في سهل الغاب وريف اللاذقية

في غياب المبادرة الهجومية، توالت التقارير الغربية والعربية عن انهيار الجيش السوري وانحسار مهمات («من تبقّى فيه») بمنع سقوط دمشق والساحل، ليُفتح البازار السياسي والاعلامي حول جنوح
السلطات السورية نحو التسليم بالتقسيم، وترسيم حدود ما تبقى تحت سيطرتها.
التراجع الميداني لم يُقرأ عند المجموعات المسلحة والدول الراعية سوى باقتراب انهيار المنظومة العسكرية السورية، رغم تكبيد المسلحين خسائر لم تكن في الحسبان، خصوصاً في الجنوب السوري، ومنع تغيير خطوط السيطرة في مدينة حلب وريفها، وإيقاف اندفاعة المهاجمين عند حدود مكاسب «معركة إدلب». في الأثناء، كان الجيش يعمل على تغييرات عسكرية تمسّ الاستراتيجية العامة والتكتيك بالتعاون مع القوى الحليفة. هذه التغييرات ساهمت في تطويع آلاف العناصر الجدد في تشكيلات مختلفة، أهمها ما كشف عنه أمس رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش، أي «الفيلق الرابع اقتحام».
منذ أول من أمس، وُضع الجيش السوري أمام امتحان جديد. الحليف الروسي الذي يقدّم دعماً جوياً ولوجستياً غير مسبوق، لا تكفي ضرباته المركزة لانهيار المسلحين المتمرّسين في الحرب، لذا كان على الجيش أن يُظهر وجهه الجديد بالاقتحام والتثبيث ثم التقدّم نحو نقاط جديدة.
وهذا ما بدأ الجيش يظهره منذ «الهجوم الكبير» الذي انطلق في ريف حماه، إذ استطاعت قواته فتح جبهة واسعة من شرقي مدينة مورك إلى قلعة المضيق على حدود سهل الغاب في عملية من محاور عدة، ليسيطر على مساحة 50 كلم من محور مورك (معركبة، عطشان، سكيك، تلة سكيك، تلة الحوير) و20 كلم في محور المضيق (قرية المغير شرق القلعة، تل الصخر شمال شرق المغير، تل عثمان غرب كفرنبودة...). ثم أمس، أظهر الجيش ميزة جديدة في عمر الحرب المستمرة، بإضافته محورين أساسين في المعركة في ريف اللاذقية الشمالي وسهل الغاب.
انتفت الحاجة السابقة لنقل قوات كبيرة من محور إلى آخر، وإضعاف الوجود في منطقة لتعزيز أخرى.
هذا الامتياز الذي يسترجعه الجيش ساهم في تشتيت قوى المعارضة التي كانت تزجّ، مثلاً، في معارك سهل الغاب الأخيرة قوة كبيرة من إدلب وريفها وصولاً إلى ريف اللاذقية، مع علمها بأنّ المعركة ستتركّز في مسرح عمليات واحد.
صباح أمس، هاجمت وحدات الجيش قرية تل واسط استناداً من خربة الناقوس، وقوة أخرى انطلقت من جورين والبركة باتجاه قرية البحصة، وفي ريف اللاذقية الشمالي قوة من جب الغار باتجاه جب الأحمر وكفرعجوز والسرمانية.
وسيطر الجيش، والقوى الحليفة، على قرية البحصة لتبدأ بالتمهيد الناري نحو فورو والمنصورة.
وفي ريف اللاذقية الشمالي، سيطر الجيش على التلال المحيطة بجب الأحمر وتقدّم باتجاه السرمانية شمال سهل الغاب. وتشرف تلال السرمانية على سهل الغاب بالكامل، كذلك تقطع جب الأحمر طريق الإمداد بين ريف اللاذقية وجسر الشغور في ريف إدلب الجنوبي.
مصادر متابعة أكدت توزّع عدد كبير من مسلحي إدلب على الجبهات المتنقلة في أرياف حماه، إضافة إلى حركة نزوح كبيرة من مدينة إدلب وريفها باتجاه الحدود التركية.
المصادر تؤكد أنّ منطقة العمليات قد تتوسّع سريعاً على نحو مفاجئ للمسلحين ومشغليهم.
وعلى غرار أمس، لعبت الطائرات الروسية دوراً محورياً في استهداف مواقع المسلحين، إضافة إلى دخول المروحيات على خطّ المعركة.
وفي السياق، وفي ظهور نادر في تلاوة البيانات العسكرية، أكد رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش والقوات المسلحة، العماد علي عبدالله أيوب، أنه «بعد الضربات الجوية الروسية التي خفضت القدرة القتالية لداعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى، فقد حافظت القوات المسلحة السورية على زمام المبادرة العسكرية، وشكلت قوات بشرية مزودة بالسلاح والعتاد، كان أهمها الفيلق الرابع اقتحام».
وأضاف: «اليوم بدأت القوات المسلحة هجوماً واسعاً بهدف القضاء على تجمعات الإرهاب وتحرير المناطق والبلدات التي عانت من الإرهاب وويلاته وجرائمه».




«الناتو»: سنحمي تركيا من الروس... وواشنطن ترفض الحظر الجوي

لبّى وزراء الدفاع في حلف شمال الأطلسي «الاستغاثة» التركية باجتماع في العاصمة البلجيكية بروكسل. وأكّد الأمين العام لحلف «الناتو»، ينس ستولتنبرغ، أن «الحلف على اتصال دائم بتركيا لبحث الأوضاع في سوريا»، خصوصاً إن كانت أنقرة بحاجة إلى دعم إضافي من جانب الحلف.
ورحّب ستولتنبرغ بـ«المشاورات العسكرية بين روسيا والولايات المتحدة، التي ترمي إلى ضمان أمن الطيارين المشاركين في العمليات الجوية في سوريا». من جهتها، أعلنت واشنطن أنها «لم تتخذ أي قرار بشأن إقامة منطقة حظر جوي في سوريا». وحذّرت من «خطر المواجهة مع موسكو»، مؤكدة على «مواصلة النقاشات مع موسكو لإيجاد أفضل السبل لملاحقة داعش في سوريا». أما وزير الدفاع أشتون كارتر (الصورة)، فقد شدد على أن «بلاده لن تتعاون مع روسيا في سوريا ما دامت تدعم (الرئيس بشار) الأسد، بدلاً من أن تشجّع الانتقال السياسي للسلطة». كذلك توقّع «أن تبدأ روسيا بتكبّد الخسائر في سوريا نتيجة للهجمات التي تنظمها بالتعاون مع نظام الأسد». ورأى أن ما تقوم به روسيا في سوريا «خطأ استراتيجي سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب».