آلية التنسيق الأمني بين اسرائيل وروسيا في الساحة السورية لم تتبلور بعد، برغم الاعلان الاسرائيلي عنها. تلهّف تل ابيب وتأني روسيا واضحان جداً، ورحلة التفاوض حول آلياته طويلة. وسواء اعلن التنسيق فعلياً ام لم يعلن، وسواء طبق ما اعلن ام لم يطبق، لا يغيّر من ان خيارات إسرائيل باتت مقلصة في الساحة السورية.


مع ذلك، صدرت في اعقاب الاعلان الاسرائيلي، لا الروسي، عن «تنسيق امني» بشأن الساحة السورية، مواقف وتحليلات وتساؤلات، تعاملت مع التنسيق المعلن وكأنه بين محور المقاومة واسرائيل. هذه المواقف، بلا تردد، نتيجة لحالة من اثنتين: توجهات سياسية تهدف الى التضليل، او غباء سياسي واضح.
ولتصويب المطلب، لا بد من الاشارة ابتداءً الى الآتي:
أولاً: روسيا ليست، ولن تكون، جزءاً من محور المقاومة في المنطقة، وهي لم تأت الى سوريا باعتبارها جزءاً من هذا المحور، بل لتحقيق مصالح روسية، تتقاطع مع محور المقاومة في هذه المرحلة، وربما ايضاً، كما يبدو الى الان، في المراحل المقبلة.
ثانياً: روسيا ليست في موقع العداء لإسرائيل، ولا تهدف اليه، بل ان العلاقات البينية تطورت وما زالت في العقدين الماضيين، على اكثر من صعيد، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا... والى حدود لم تكن تل ابيب لتحلم بها.
ثالثاً: لم تأت روسيا الى سوريا عسكرياً لتؤسس لجبهة، او تنضم لجبهة، او تدعم جبهة ضد اسرائيل. ما اعلنته موسكو وما لم تعلنه، كاسباب لتدخلها في الساحة السورية، لا يهدف الى الاضرار باسرائيل، وإن كان في نواح عديدة، يمثّل تهديداً لها.


تحويل التنسيق
الأمني مع روسيا الى أداة ضد المقاومة هو ضرب من الخيال


رابعاً: أي موقف يصدر عن موسكو ازاء تل ابيب، بناء على العلاقة بين الجانبين، لا يلزم، ولا يمكنه ان يلزم، محور المقاومة، وهو بالتأكيد لا يعبّر عن تواجهات المحور، وعلى رأس ذلك التنسيق الامني وآلياته، وبغض النظر عما يمكن ان يتوصل اليه الطرفان، ويطبقاته عملياً، من تنسيق.
خامساً: أن تبادر إسرائيل وتسارع الى دق أبواب موسكو في محاولة منها لاحتواء مفاعيل تدخّل روسيا في سوريا، على امنها ومصالحها وخياراتها، هي خطوة طبيعية جداً، وخاصة ان البديل متعذر، نتيجة التقدير الاسرائيلي بتراجع الدور الاميركي في المنطقة، وهو تراجع واضح، ولا يحتاج الى دليل.
وبعيداً عن تحليلات البعض، واستدلالهم بمقالة هنا او تصريح هناك، لكاتب او محلل اسرائيلي يعبّر عن معارضة للموقف الرسمي لتل ابيب، الا ان الاولويات الاسرائيلية للساحة السورية يعبّر عنها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير امنه، وقادة استخباراته، كما تؤكدها افعالها، وتكفي الاشارة الى تعاطيها الطيب مع التنظيمات المسلحة، مقابل اعتداءاتها المتكررة على الجيش السوري وحلفائه.
اولويات اسرائيل وطموحها للساحة السورية، عبّر عنها نتنياهو في اكثر من مناسبة، وكان اخرها من على منبر الجمعية العامة للامم المتحدة قبل اسبوعين، اذ قال ان «إيران وداعش هما أعداؤنا المشتركون، وعندما يتقاتل أعداؤنا يجب تركهما كي يضعفا معاً». وفي الخطاب نفسه عاد وكرر: «ضرب داعش وترك ايران، هما انتصار في المعركة وخسارة للحرب».
الطموح الإسرائيلي الأكبر، الذي لم يعد ذا صلة بالواقع، هو اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، واستبداله بنظام معاد لمحور المقاومة، يتموضع الى جانب الدول العربية «المعتدلة»، على ان يمثل جزءاً من حزام امني اقليمي لاسرائيل.
هذا ما عبّر عنه رئيس وحدة الابحاث في الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية، المنتهية ولايته حديثاً، ايتي بارون، في مقابلة نشرت في صحيفة «اسرائيل اليوم»، مطلع العام الجاري (16 كانون الثاني 2015): «... اما ما يتعلق بسوريا، فالنتيجة الافضل لنا لم تعد واقعية. كان يمكن لشيء ما ان يتحقق عام 2013. ولو عمل الغرب آنذاك لكان قد نهض من داخل الدمار طرف سني معتدل، الا ان هذا لم يحدث».
حدّث الرئيس الحالي لوحدة الابحاث في الاستخبارات، ايلي بن مائير، ما انتهى اليه سلفه، في مقابلة مع موقع «واللا» الشهر الماضي (16 أيلول 2015)، اذ قال: «لا شك اننا نتابع الحضور الروسي في سوريا وتأثيراته... وما يقلق هو تطابق المصالح بين روسيا وايران وحزب الله، في دعم الرئيس السوري... اما ما يوجد (من جهات) في سوريا فجميعهم يتسببون بالقلق، لكن حزب الله هو التنظيم الاقوى في المنطقة، مع القدرة على الحاق الضرر الاكبر بإسرائيل».
ان كان هذا هو التوصيف، فماذا عن الافعال في مرحلة ما بعد التدخل الروسي؟ بناء على ان الاسرائيلي واقعي، يدرك ان طموحه واهدافه باتت تتعارض مع توجهات واهداف روسيا التي تربطها بإيران علاقات قوية جداً، وتتقاطع معها في اكثر من ساحة، وضمن اولوية مواجهة الارهاب على قاعدة المصالح المشتركة. وبفعل ادراك اسرائيل ذلك، انزل نتنياهو مُكرهاً سقف الطموحات حيال الساحة السورية، باتجاه ما يمكن الحصول عليه من خلال التنسيق الامني المنشود مع روسيا، وعلى خلفية ما ادلى به لـ «سي ان ان» اخيراً: «صحيح ان لدينا اهدافا مختلفة، لكن يجب الّا نتصادم».
الترجمة العملية لهذا السقف الواقعي الجديد، بما يتناسب مع الظروف المستجدة في سوريا، طلب اسرائيل ألا تقف روسيا عقبة ازاء خطوطها الحمراء المعلن عنها رسمياً، ومن بينها استهداف عمليات نقل اسلحة نوعية من وعبر سوريا الى حزب الله في لبنان، وايضاً قدرة الرد على عمليات تشنّ ضدها انطلاقاً من الحدود السورية، او إنشاء بنية تحتية لجبهة جديدة في الجولان. ويعني ذلك انه اذا كانت تل ابيب قد أظهرت في الماضي انها لن تستخدم من خياراتها المتاحة الا ما يتعلق بخطوطها الحمر، فهي الان في صدد البحث عن امكان السماح لها بالاحتفاظ بما يمكّنها من فرض خطوطها الحمر، مع فقدان خياراتها الاخرى، من ناحية عملية.
وفي ما يتعلق بهذه المسألة تحديداً، قد يكون للإسرائيلي قدْر ما من المنطق في تقدير ما يمكن التوصل اليه مع روسيا، اقله من الناحية النظرية، وخاصة مع النظرة الاسرائيلية الى ان هذه الخطوط الحمر لا تتعارض مع الاهداف الرئيسة للدخول الروسي الى سوريا، وتحديداً قدرة الرد على عمليات تشن ضدها، من الجولان.
أما بالنسبة إلى حركة نقل السلاح النوعي الى حزب الله، وهامش المناورة الاسرائيلية حياله، والحد الذي يمكن للروسي ان يسمح به او يتغاضى عنه، فستبقى من الامور الغامضة التي يصعب التكهن بها، لكن تجدر الاشارة إلى أنّ «السلاح الاكثر فتكاً على الكرة الارضية» كما قال نتنياهو اخيراً، قد انتقل بالفعل الى لبنان، قبل الوجود الروسي في سوريا، اي إن المقاومة كيّفت عمليات نقلها مع حرية عمل اسرائيل في الساحة السورية قبل الوجود الروسي، فكيف بها في مرحلة وجوده وتقليص قدراتها العملية.
مع ذلك، قد تتمكن اسرائيل، من باب الافتراض والامكانية العملية، ان تواصل استهدافها لقافلة هنا او هناك، لكن مساحة عملها ستكون مقلصة جغرافياً، اقله بعيداً عن منطقة عمليات الجيش الروسي، مهما كان التنسيق المتفق عليه لاحقاً، بين الجانبين.
نعم، ان يصل التنسيق الامني وآلياته على فرض التوصل اليه، ليشمل تحويل روسيا الى اداة ضد المقاومة، هو ضرب من الخيال، وتعبير عن خلطة من الجهل و«التخبيص»، لا اكثر.
رغم كل ما تقدم، هناك حقيقة يدركها الاسرائيلي جيداً، مع الحضور العسكري الروسي في سوريا: ليس من اهداف الروسي دعم الجهات والقوى بوصفها معادية لاسرائيل، لكن النتائج لا تتفكك بهذا الاتجاه، فتعزيز النظام السوري يعادل تعزيز محور المقاومة في سوريا، ما يعني تعزيز قوة وموقع المقاومة في مواجهة اسرائيل.