خاص بالموقع - بعد سنوات من محاولات عزل سوريا وتشديد الضغوط السياسية عليها إثر اتهامها باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بدا كأن عام 2009 بمثابة عام الحصاد بالنسبة إلى دمشق، من خلال فكّ طوق العزلة والنجاح الدبلوماسي.

وبدأت ملامح التغيير مطلع العام الحالي مع انتهاء ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش ووصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض، الذي دعا إلى الحوار مع دمشق وطهران. وتخلصت سوريا من عزلتها العربية أيضاً من خلال مصالحتها مع السعودية، وما تلاها من تأليف حكومة وفاق وطني في لبنان وزيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى دمشق خلال الشهر الحالي.
ونقلت دمشق علاقاتها مع أنقرة إلى مرحلة نوعية، فيما عززت روابطها الاستراتيجية مع حليفتها إيران التي لا زالت تواجه ضغوطاً دولية بسبب برنامجها النووي.
ولم تسجل لسوريا في عام 2009 إلا نكسة واحدة تبدّت في علاقتها المضطربة أحياناً مع العراق جرّاء اتهام بغداد لدمشق بغض النظر عن تسلّل إرهابيين وإيواء بعثيين سابقين، اتهمتهم بتنفيذ التفجيرات الدموية خلال هذا العام.
وتعدّ القيادة السورية نجاح سياستها الخارجية نتيجة طبيعية للجهود الكبيرة التي بذلتها دولياً وعربياً، وتمسكها بمواقفها السياسية، والحزم في تعاملها مع الملفات الصعبة المتعلقة بسوريا ومنطقة الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي، ما جعل الآخرين يدركون أن دمشق ليست رقماً عادياً في المعادلة السياسية في المنطقة.
حتى إن وزير الخارجية السوري وليد المعلم رأى أن عام 2009 «سجل نجاحات كبيرة» للسياسة السورية التي انتهجها الرئيس بشار الأسد. وقال لوكالة «يونايتد برس انترناشونال» إن السؤال المهم الآن هو «هل تغيّرت سوريا أم أن العالم هو الذي تغيّر؟ أقول إن سوريا لم تتغير، بل اكتشف العالم أهمية سوريا لأمن المنطقة واستقرارها».
واستقبلت دمشق خلال هذا العام عدداً كبيراً من الوفود السياسية والأمنية الأميركية، وزارها مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل مرتين. إلّا أنها ما زالت ترى أن دعوة أوباما للحوار بقيت خجولة، ولم تدخل حيّز التنفيذ. وعلّق المعلم «حتى الآن نسمع كلاماً طيباً ولا نرى أفعالاً. استقبلنا وفوداً أميركية كثيرة وتحاورنا معهم، ولدينا رغبة في السلام وهناك مبادرة عربية للسلام. ومع ذلك، فإن إسرائيل لا ترغب في إعادة إطلاق المفاوضات». وأضاف «نحن حتى الآن كما يقول المثل العربي، نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً، ونأمل أن يكون العام المقبل عام الطحين».
وفي السياق، قال المحلل السياسي ثابت سالم إنه «لا يمكن الحديث عن انفراج في العلاقات السورية ـ الأميركية حتى الآن. فالعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة ما زالت قائمة، رغم حدوث انفراج وتفاهم بينهما، وخصوصاً في الملف اللبناني». وأشار إلى «غموض في الموقف الأميركي من العلاقات السورية ـ التركية، فيما لم يقرر أوباما بعد الدخول بقوة في عملية السلام في المنطقة، وهذا يؤثر سلباً»، مضيفاً «يعلم السوريون جيداً أن علاقاتهم مع الولايات المتحدة ما زالت في بداية الطريق وتحتاج إلى حوار طويل».
أما العلاقات مع باريس، فقد بدأت بالتحسن منذ العام الفائت، حين زار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي دمشق، وتابع هذا العام اقترابه من سوريا عبر إلغاء إجراءات كان قد اتخذها سلفه جاك شيراك في حقّها.
وزار الأسد باريس حيث دعا أوروبا إلى أداء دور أكبر في عملية السلام في الشرق الأوسط، لأنها «الأقرب إلى تفهّم مشاكل المنطقة»، مشدداً على الحاجة إلى وجود «شريك إسرائيلي يكون مستعداً للقيام بعملية السلام أو إنجاز السلام».
ولا تقل غلّة الحصاد السوري إقليمياً، بعدما وثّقت دمشق في عام 2009 علاقتها مع أنقرة ورفعتها إلى مستوى استراتيجي عبر مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وإصرارها على دور الوسيط التركي في رعاية المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، ما يدل على ثقة دمشق بأحفاد العثمانيين.
وقال المعلم إن «الوساطة التركية غير خاضعة للنقاش»، مشدداً على أنه «لا بديل من هذه الوساطة، لا الآن ولا بعد عشر سنوات، وأن أي اتفاق (مع إسرائيل) يجب أن يكون عبر الوسيط التركي النزيه على قاعدة تتيح للطرفين استئناف المحادثات المباشرة».
ورأى المحلل السياسي المتخصص في الشؤون التركية حسني محلي أن «تمسّك سوريا بالوسيط التركي يعود إلى أنها لا يمكن أن تثق بفرنسا لأن تاريخها معروف، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي الذي يقدّم دعمه لإسرائيل، وقد تجاهل كل ما حدث في غزة»، في إشارة إلى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع. وأضاف «أثبتت تركيا للجميع أنه ليس لها أجندة خاصة وحرصت على إقامة توازن استراتيجي في علاقاتها مع جميع الدول، لأنها على ثقة بأن مشاكل المنطقة لا تحل إلا باتفاق دولها».
ورأى السفير السوري في أنقرة نضال قبلان أن الثقة السورية بالوسيط التركي ناجمة عن «الصدق والشفافية في التعاطي بين البلدين والإرادة القوية والدعم الشعبي الواسع للإجراءات الهادفة إلى تمتين العلاقات الثنائية، التي كان لإلغاء سمات الدخول بين البلدين في 13 تشرين الأول الماضي أهمية كبيرة نقلت العلاقات إلى مستوى عال جداً».
وعززت دمشق تحالفها الاستراتيجي مع طهران من خلال الزيارتين اللتين قام بهما كلّ من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى دمشق والأسد إلى طهران، والكلام عن توسّط سوري بين طهران والغرب في الأزمة النووية الإيرانية.
يبدو عام 2010 سائراً على نحو سابقه الراحل، حيث يتوقع وصول سفير أميركي إلى دمشق، وتوقيع اتفاق الشراكة مع أوروبا، وزيادة تعزيز التعاون مع تركيا، ما يدفع إلى القول إن ربيع الدبلوماسية والسياسة السوري سيستمر.
(يو بي آي)