المشهد في الرّيف الحلبي هو الأعقد على امتداد الجغرافيا السوريّة على الإطلاق. تعدّد الجهات المسيطرة، وتداخل مناطق نفوذها يختلف في عاصمة الشمال عن سواها من الجبهات. فعلاوة على الجيش السوري وحلفائه، والمجموعات الكرديّة، والمجموعات «القاعديّة» وعلى رأسها «جبهة النصرة»، وبعض المجموعات السوريّة المحليّة، والمجموعات «التركمانيّة»، يحتفظ تنظيم «الدولة الإسلاميّة» بسيطرة هي الأكبر له في مناطق نفوذ متداخلة.


تطوّرات اليومين الأخيرين أضفَت مزيداً من التعقيد مع مواصلة الجيش السوري مساعي فك الحصار عن مطار كويرس العسكري، وسيطرته على بلدة الجبّول (ريف حلب الشّرقي) المهمّة في هذا السياق. في مقابل تمكّن تنظيم «داعش» من توسيع رقعة سيطرته في الريف الشمالي على حساب المجموعات المسلّحة (غير مشمولة بالمجموعات «القاعديّة» التي سبقَ لها أن أخلت مناطق سيطرتها هناك نزولاً عند رغبة حلفائها، وخدمةً لمشروع «المنطقة الآمنة» التركيّة). «داعش» أفلح فجر وصباح أمس في السيطرة على مدرسة المشاة وسجن الأحداث والمنطقة الحرة (وجميعها في المسلميّة)، إضافة إلى قرى معراتة، تل قراح، فافين، كفر قارص، وتل سوسين في الريف الشمالي، قبل أن تبدأ المجموعات المسلّحة ليلاً شنّ هجوم مضادّ بغية استرجاع ما خسرته بدءاً بتل سوسين. وفي حال استتباب سيطرة «داعش» على مناطق «تمدّده» الجديدة يكون قد ضمن توسيع حضوره على التخوم الشماليّة الشرقيّة لحلب. وخلافاً لما تداولته بعض وسائل الإعلام، فإنّ هذه التحرّكات ليست طارئةً على خطط التنظيم في حلب. وهي خطط تطمحُ إلى تكرار سيناريو دير الزور، عبر رسم «نصف قوس داعشي» يحيط بحلب شرقاً وشمالاً. التنظيم كان قد بدأ التمهيد لهذا المخطط منذ أيار الماضي مع اقترابه من الشيخ نجّار («الأخبار»، العدد 2593) ، قبل أن يواصل تحرّكاته تحت أنظار طيران «التحالف الدولي» في حزيران («الأخبار»، العدد 2610) . ومجدّداً يكتسب تقدّم «داعش» أهميّة متعدّدة المناحي، إذ تتيح له تالياً التحرك في مسارات عدّة ضدّ الجيش السوري، سواء على محور سيفات، أو محور باشكوي، أو محور الشيخ نجّار - المدينة الصناعية (أخطر المحاور على مدينة حلب). كذلك يمكن التنظيم مواصلة العمل ضدّ باقي المجموعات، بالإفادة من مدرسة المشاة منطلقاً نحو مارع وتل رفعت من جهة الجنوب. ويطرح «التمدّد» الجديد لـ«داعش» مجموعة إشارات استفهام، بدءاً من توقيته المتزامن مع حضور الطيران الرّوسي في الأجواء، وليس انتهاءً بسهولة سيطرته على المناطق الجديدة، رغم أنّ المجموعات المسلّحة ذاتها سبق لها أن أفلحت مرات عدّة في منعه من تحقيق هذه الهدف. ويبدو أن الجيش السوري وحلفاءه لا يجدون ضيراً من توسيع «داعش» سيطرته على حساب بقية المجموعات في المرحلة الرّاهنة، في مواصلة للأسلوب القديم ذاته قبل دخول الرّوس على الخط («الأخبار»، العدد 2604). أمّا المجموعات المناوئة لـ«داعش»، فقد طرحت تبريرات عدّة لهزيمتها الأخيرة، بدءاً من تكرار المعزوفة القديمة عن «تواطؤ النظام مع داعش (مع إضافة الروس إلى المعزوفة)». بينما حاولت «إيضاحات» أخرى تقديم أسباب منطقيّة، على رأسها أن هذه التطوّرات جاءت في خضم انهماك مجموعات «غرفة فتح حلب» في بحث «الإجراءات الواجب اتّخاذها ضدّ مسلّحي الـ pkk الأكراد (حزب العمّال الكردستاني) بعد سيطرتهم على حي الشيخ مقصود، وقطعهم طريق الإمداد الوحيد عبر منطقة الكاستيلّو» وفقاً لما أكّده مصدر من «الغرفة» لـ«الأخبار». وبالتوازي، كانت «جبهة النصرة» تُصعّد ضدّ «العمّال الكردستاني»، أي «الوحدات الكردية»، عبر اتهامه بمحاولة استهداف أحد مقارّها بسيّارة مفخخة، ونصب حاجز أساسي على طريق الكاستيلو. وبدا لافتاً أن «نظريّات المؤامرة» المتداولة لم تقتصر على «تواطؤ الجيش مع داعش»، بل تعّدته إلى اتّهام «النصرة» بالتواطؤ مع «داعش». فيما تداولت بعض المصادر «الجهاديّة» المحسوبة على «النصرة» نظريّة مضادّة تتّهم المجموعات بالتهاون في التصدي للتنظيم بغية «وضع داعش فى مواجهة مباشرة مع الروس فى محافظة حلب بدلاً من صحوات الأميركان». واستدلّ أصحاب هذه النظريّة على صحّتها بـ«سهولة المعارك، وقلّة عدد القتلى قياساً إلى اتساع رقعة المواجهات، والحصانة المفترضة لمدرسة المشاة».

الجيش يواصل نحو «كويرس»

في الأثناء، بدا الجيش السوري وحلفاؤه منشغِلَين عن تطورات الريف الشمالي بمواصلة العمل على فك حصار مطار كويرس العسكري (ريف حلب الشرقي). وكثّف الجيش أمس تحرّكاته البريّة على طريق المطار، وصولاً إلى قرية الجبّول التي سيطر عليها بعد اشتباكات عنيفة مع مسلّحي «داعش». ويعمل الجيش والقوات الرّديفة على تثبيت السيطرة، وتكثيف الاستهداف المدفعي لتمركزات التنظيم في كل من تلسبعين، الجديدة، البقيجة (وجميعها جنوب كويرس). وعلاوة على الأهداف المعنويّة الكبيرة المتوخاة، يتيح فك الحصار في حال نجاحه وَصْل مناطق سيطرة الجيش في السفيرة (جنوب شرق حلب) بالمطار، ما يمنحُ الجيش وحلفاءَه لاحقاً خيار استخدام المطار منطلقاً نحو مزيد من العمليات العسكريّة شمالاً نحو الباب (أبرز معاقل «داعش» في ريف حلب الشرقي). وكانت مقارّ تنظيم في الأخيرة قد تعرّضت صباح أمس لاستهداف جوّي مكثّف، تضاربت الأنباء في هويّة الطائرات المُنفّذة له ما بين كونها روسيّة، وتبعيّتها لـ«التحالف الدولي».




واشنطن تبدأ سحب منظومة «الباتريوت» من تركيا

بدأت واشنطن بسحب منظومات «الباتريوت» التابعة لها من الأراضي التركية. وذكرت وكالة «الأناضول» أن المنظومات أُرسلَت من ولاية «غازي عنتاب» الحدودية مع سوريا إلى ميناء اسكندرون. وذكرت صحيفة «حرييت» التركية أنّ عملية سحب الصواريخ جاءت في الوقت الذي طلبت فيه أنقرة من حلف شمال الأطلسي (ناتو) إبقاء وحدات الدفاع الجوي والصاروخي «في هذا الوقت الحساس» على حدود سوريا بعد انتهاك المقاتلات الروسية للأجواء التركية.
وكانت تركيا والولايات المتحدة قد أصدرتا إعلاناً مشتركاً في 16 آب الماضي يفيد بسحب الصواريخ التي نشرت منذ عام 2013، فيما أعلنت برلين في 15 آب الماضي انتهاء مشاركتها في مهمة الصواريخ المضادة في تركيا.
إلى ذلك، نفت الحكومة التركية، أمس، ما أوردته وسائل إعلامية عن طلب إرسال قوات عسكرية من «الناتو» إلى تركيا على إثر اختراق طائرات روسية مجالها الجوي الأسبوع الماضي.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، تانجو بيلجيك، إنّ أنقرة تواصل محادثاتها مع حلف شمال الاطلسي وشركائها لتعزيز قدراتها الدفاعية، بما في ذلك أنظمة صواريخ باتريوت، «لكنها لم تقدم أي طلب للحلف لإرسال قوات إليها».