صنعاء | «وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلا وَنَرْقُصُ بَيْنَ شَهِيدْينِ نَرْفَعُ مِئْذَنَةً لِلْبَنَفْسَجِ بَيْنَهُمَا أَوْ نَخِيلا».

أصبحت هذه العبارة من قصيدة الشاعر محمود درويش، لسان حال غالبية أهل اليمن اليوم. هم الذين لم يمنعهم استمرار العدوان السعودي على بلادهم وحياتهم، من إعلان بهجتهم بالحياة ومواصلة ممارستهم فعاليات كان قد جرى التخطيط لها قبل بداية العدوان في آذار الماضي، وأهمّها مراسيم الزواج.

وبالرغم من المجزرة التي ارتكبها طيران العدوان في منطقة المخا قبل أيام، حين استهدفت غاراته مخيماً لحفل زفاف، قتلت 131 مدنياً، لم تثنِ اليمنيين عن إقامة أفراحهم التي لم تتوقف أصلاً خلال العدوان، على امتداد المحافظات.
المجزرة التي دانتها الأمم المتحدة، بلسان الأمين العام بان كي مون، وحمّلت التحالف مسؤوليتها، جاءت في توقيت يستغله اليمنيون عادةً لإقامة أعراسهم. فبحسب عادة الناس في اليمن، وفي صنعاء على وجه الخصوص، تتركز مواعيد الأعراس في فترة ما بعد بداية الربيع، ومرحلة بدء الإجازة المدرسية والجامعية النصفية، وصولاً إلى فترة أعياد عيد الأضحى، حيث تكثر الإجازات خلال هذه الفترة بما يسمح إقامة تلك المراسم. وكان لافتاً بقاء تلك الفعاليات على حالها خلال الحرب، وإن كانت لم تبلغ النسبة نفسها التي تجري عادة في ظروف مغايرة على الرغم من بقاء حالة العداون وعمليات القصف التي طاولت كل شيء.


مجزرة المخا لم تثنِ
اليمنيين عن إقامة أفراحهم التي لم تتوقف أصلاً

يقول علي الأحمدي، وهو قريب أحد الشبان الذين أعلنوا زفافهم بعد أيّام قليلة من جريمة العدوان السعودي الناتجة من رمي صاروخ على جبل عطان في 20 نيسان الماضي، وأوقع ضحايا كُثر وخسائر مادية هائلة، وهي الجريمة نفسها التي أعلنت قيادة العدوان بعدها تغيير تسمية حملتها من «عاصفة الحزم» إلى «إعادة الأمل» في محاولة لتخفيف رد الفعل الدولي الذي نتج لأول مرة ضد ممارسات التحالف في اليمن. يقول الأحمدي إن مسألة المضي في مراسيم الزواج كانت مطروحة بين أفراد العائلة، احتراماً لظروف بعض الأسر القريبة من المنطقة، التي خسرت أقارب في تلك الجريمة، «إلا أن رسائل قد وصلتنا من بعضهم، أعلنوا فيها ضرورة بقاء التحضيرات وإقامة العُرس في وقته».
ويشير عند هذه النقطة إلى أن متانة العلاقات الاجتماعية التي تميّز أهالي صنعاء، ومساندتهم لبعضهم في أوقات الفرح، والحزن هي التي أجبرتهم على تقليص الفترة الزمنية للعرس، وإلغاء بعض الطقوس المُتعارف عليها عادةً، «احتراماً لمن وقف معنا في مثل هذه المناسبة، وكذلك بهدف عدم إبقاء تجمعات بشرية في مكان واحد لفترة طويلة ما يجعلهم هدفاً سهلاً لطيران العدو»، يقول الأحمدي. ومن تلك العادات المتعارف عليها بين أهالي صنعاء إعطاء حفلات أعراسهم صبغة جماعية عن طريق نصب خيم ضخمة تسع لأكبر عدد ممكن من الناس، إضافة لوضع مكبرات صوت عريضة يمكنها إيصال غناء المطرب المُستضاف لأحياء حفلة العرس لأكبر مساحة ممكنة.
أمّا نسبة إقامة تلك الأعراس، ومقارنتها بما كان يحصل منها في الأيام العادية السابقة للعدوان، فليس هناك إحصائية رسمية بها. فاليمنيون لا يهتمون بهذه الإجراءات إلا في وقت لاحق لإتمام الأعراس، كما أن غالبية الجهات الإدارية المتخصصة في هذا الجانب غير متوافرة بصورة دائمة نتيجة الظروف القائمة، لكن عبد الواحد البكيلي، وهو متعهد أعراس وتجهيزاتمتعلقة، فيقول من جهته إن نسبة العمل لديه كانت معقولة للغاية، مقارنةً بالأوضاع الصعبة التي صارت ترزح البلد تحت أثقالها، حيث لا يمر عليه أسبوع من غير عمل وطلبات تجهيز حفلات زفاف، لكنه يشير إلى حدوث بعض الاختصارات في سياق المراسم المرتبطة بالطقوس الاجتماعية المتعارف عليها، مثل تقليص فترة الاحتفال ليومين على أقل تقدير على عكس ما كان في السابق: «وهذا يؤدي إلى تخفيض كلفة العرس بدرجة كبيرة». وقال البكيلي: إن تقليص فترة تلك الاحتفالات تبدو بصورة رئيسة متعلقة ببعض مناطق العاصمة صنعاء، التي تتعرض دائماً لعمليات قصف من قبل طيران العدو السعودي، وهي المنطقة الجنوبية المحيطة في جبل عطان، والحي السياسي، وصولاً إلى منطقة القصر الرئاسي، حيث تعرضت قاعة الخيول (واحدة من أكبر قاعات الاحتفالات والمناسبات العامة في العاصمة) لقصف متكرر من قبل طيران العدو». وكان طيران التحالف قد قصف القاعة نفسها في رمضان الماضي وقد كان تقام فيها مراسم عزاء.