نابلس | كيف يمكننا أن نعتذر من هؤلاء الذين نعتناهم يوماً ما "طخيخة الفيسبوك"؟ كيف يمكننا أن نقول لهم نحن نعتذر لأننا يوماً ما قطعنا منكم الرجاء، وقلنا هذا الجيل فشل في حمل الأمانة الموكلة إليه؟ ظننا أنّ جلّ اهتماماته ذاهبة نحو آخر تسريحات الشعر والبناطيل "الساحلة"، والوقوف أمام مدارس الفتيات.


وأنا أتنقل من مكان لآخر في ساحات المواجهة، لتغطية مجريات الأحداث بحكم مهنتي مراسلةً صحافية، ضربتُ كفاً بكف وعضضتُ شفتي ندماً، وأنا أرى شباباً يقدمون دمهم قرباناً للوطن. هؤلاء الذين تراخوا ربما في فترة من الفترات، أدركتُ أنهم كانوا يجلسون وراء الباب، ينتظرون من لديه المفتاح. وما إن حصل ذلك، حتى تناثروا كل في موقعه يعدّ العدة ويفكر ويخطط بعفويته الصادقة كيف يدافع عن وطن لا يزال العالم يسمع أنينه ولا يحرك ساكناً.


في المواجهة مع الاحتلال، تكتشف أنك أمام جيل مختلف. جيل لديه من الغضب الكثير الكثير، ما يكفي لتحرير بلدان كثيرة. لكن إذا ما استثمر جهده بالطريقه الصحيحة.
عدتُ قبل أيام من ساحة المواجهة في مدينة البيرة بالضفة المحتلة، بقيت لساعات أحاول النوم، أتقلب يميناً وشمالاً، وأنا أتخيل كيف لشاب أصيب لتوه برصاصة عمياء خرساء في قدمه، أن يدخل سيارة الإسعاف ويخرج منها عائداً للمشاركة مع أقرانه لرشق الجنود المدججين بأعتى الأسلحة، بما تيسر من حجارة الأرض، لتأتيه رصاصة جديدة على عجل، وتستقر في قدمه الأخرى.
كان الجميع مشغولين بإعداد الزجاجات الحارقة ولملمة الحجارة من منطقة جبلية حين رأيتهم. كان شاباً أُصيب بكسر في يده. بدأ ينظر إليها وكأنه يلومها على خيانته في هذا الوقت، لكنه لم ييأس: أخذ يجمع الحجارة بيده الأخرى للشبان ليستمروا برشق الاحتلال الذي كان يصوب بنادقه إليهم.
أبكي أحياناً... نعم أبكي... بكيتُ كثيراً لأنني وقفت بكامل عجزي أمام ذلك الشاب الذي جرّه المستعربون في المواجهة. دارت المواجهة قرب أحد الحواجز العسكرية الإسرائيلية، ونعم سحلوه، بعد أن صبوا همجيتهم على جسده ضرباً.

بكيت لأنني لم أستطع فك قيده وهو الذي كان يبعد عني مسافة متر واحد أو أقل. لم أستطع أن أخفّ إليه فأطلق يديه ليذهب ويذوب في الأرض، أمّنا. فالأم تعرف أولادها وتحميهم. لم أستطع سوى البكاء! وللمفارقة، نظر إلي وهم يجرونه بعيداً وقالت في عينيه إنه يواسيني. كأن عينيه بما لمع فيهما من قوة وتحدي كانتا تقولان لي "معلش... نحنا قدها".
عدت إلى المنزل، رأسي يدور ويدور ويدور... أسأل نفسي، أين سأذهب بكل هذا الحزن؟
لكن ما يفعله شبابنا يؤكد لي مراراً أن هذه الأرض ولّادة للأحرار.