يعنيني كفلسطينية أن أكون هناك. أن أحمل حجراً هناك وأرشقه في وجه ذاك المحتل الغاصب. تلك الأرض التي لا ولن يدرك روحها، ولو سكنها ألف عام. يعنيني أكثر أن أكون بجوار أبناء شعبي، أن أترك كل شيءٍ خلفي، أن أغضب وأقاوم كما يفعلون في كل أرجاء فلسطين. أن أركض معهم في أحياء القدس القديمة، أن أنقل أحجاراً لهم، أن أرفع مقلاعاً، أطلقه. حتى كم يعنيني أن أتلقى بصدري طلقةً عنهم، أولئك من يضعون أجسادهم أمام الطلقات بلا خوفٍ أو وجل.


يعنيني كفلسطينية أن أصرخ في وجه جميع المحتلين أن: اخرجوا من بيتنا، من قريتنا التي دمرتموها بشكلٍ كلي يوم دخلتم واحتللتم بلادي. يعنيني أن أقول لهم إني عائدة، وأرغب في أن أكون هناك اليوم قبل الغد، وأنه حتى ولو طالت رحلة عودتي إلا أني عائدة، حتماً. وإن لم أفعل، فسيعود رفاتي، سيعود أولادي، وحتى أحفادي، لكنني في آخر الأمر سأعود. أما هم؟ فسيرحلون. سأظل أقول هذه الكلمات، أردّدها في داخلي، وأصرخها في كل لحظةٍ تمر: أريد أن أعود، لا شيء سيحول بين عودتي وأحلامي، لا شيء: لا الاحتلال، لا الأنظمة العميلة ولا كل الحدود المصطنعة، وبالتأكيد لن تنفع أرتال الدبابات ولا أسراب الطائرات ولا كل منصات الصواريخ والقبب الحديدية في ثنيي عمّا أريد. سأعود يوماً، وسأكون يوماً كل ما أريد.
كم يعنيني كفلسطينية أن أكتب اسمي على شجرة في فلسطين، على حائط في القدس، في يافا، وحيفا. كم يعنيني أن تكون لي صورة خلفيتها المدينة المقدسة، أو بحر يافا، أو سوق عكّا. أن ألعب بطفولة كاملة وأنا ألتقط لنفسي "سيلفي" والبحر الفلسطيني خلفي، دون أن أكون في بلادٍ أخرى، وأن أشعر بأن صفتي هنا هي "مواطنة". أن أمارس العودة فعلاً، لا أمراً مجرداً من الروح كلقب.
يعنيني كفلسطينية أن أنتظر عودتي لحظةً بلحظة بفارغ الصبر، دون أن ينكسر شيءٌ من الأمل في داخلي، فمن غير إخوتي الذين يحملون أكفانهم على أكفّهم سيعيدونني؟
يعنيني كفلسطينية ألا أحزن على الشهداء، بل أفرح باستشهادهم، ببطولاتهم، وأظل أذكرهم ما حييت، لا كأرقامٍ كما تفعل وسائل الإعلام، بل بصورهم وابتساماتهم، أن أحفظ أسماءهم الأولى، وأناديهم بها، أتأمل ابتساماتهم، وفرحهم، وحتى صخبهم، حتى يصيروا جزءاً من يومي العادي، البسيط، أسمّي بهم الأشياء، والناس، والأماكن، تصير كل دنياي مسكونة بهؤلاء الراحلين لأجلي. لأجل عودتي رحلوا. أقول في نفسي هذا. لذلك، يعنيني كفلسطينية أن أعرفهم وأن أشارك معهم، وأن أكون الصغيرة قبل الكبيرة في حياتهم، ورحيلهم.
يعنيني كفلسطينية أن أكون هناك، حيث يولد كل شيء، ويكون كل شيء، أن أراقب شجرةً تقرر الاستمرار في الحياة، أن أتابع صبارةً تركها أهلها كي تحرس منزلهم حين غابوا، فلم تبخل عليهم، بل بقت تطل برأسها مهما حاول المحتل قلعها.
يعنيني كفلسطينية أن أزرع الأمل كصبارةٍ في داخلي، لا يمكن قلعه كما لا يمكن نزعه، وأن أكمل كل القصة حتى آخرها، أو... آخري.
يعنيني كفلسطينية أن أرفع رأسي بفخر، لكوني هكذا، ولكون هؤلاء ــ من يحملون حجارة بأيديهن وأيديهم ــ هم أهلي وإخوتي وأحبتي. إني من هناك وإني إلى هناك: عائدة!