"شكراً لكلِّ شجيرةٍ حملَتْ دمي

لتضيءَ عيدَ الخبزِ
أو لتضيءَ للمحتلِّ وجهي كي يرى وجهي
ويرتديَ الخداعا
شكراً لكُلِّ سحابةٍ غطِّتْ يديَّ
وبلّلتْ شفتيَّ
حتى أعطت الأعداء باباً ... أو قناعا
شكراً لكلِّ مُسَدَّسٍ غطَّى رحيلي
بالأرُزِّ وبالزهور
وكان يبكي أو يزغرد ما استطاعا
يا دمعةً هي ما تبقّى من بلادٍ
أُسندُ الذكرى عليها... والشُّعاعا"
( محمود درويش، من قصيدة: مديح الظل العالي)

■ ■ ■


رسمت الأحداث الأخيرة المتصاعدة في الضفة الغربية مشهداً وجدانيا عن حفنة من شهدائنا: إنهم وحيدون، وحدة لا يشرحها او يفسرها شيء. كان أولهم الشاب ضياء تلاحمة. قتل ضياء منتصف الليل، في مكان ما من مثلث قرية خرسا جنوب الخليل. وكلمة مثلث في المعجم الفلسطيني تعني مفترق طرق قد تتمركز عليه نقطة عسكرية للاحتلال، أو يشهد حركة نشطة لدورياته. ضياء الذي بُترت يده وأثخنه الجنود بالرصاص، مكث جثمانه بضع ساعات مسجى على الأرض، وحيدا. كانت الأخبار تدور عن أن هناك شهيداً في المنطقة، لكن لم تعرف هويته حتى ساعات الفجر الأولى، فدب ضياؤه وضياء الفجر معاً.
وفي اليوم التالي أقدم جنود الاحتلال على قتل الفتاة هديل الهشلمون في البلدة القديمة من المدينة ذاتها: الخليل. هديل كانت تعبر على حاجز عسكري مرتدية نقابها الاسود، عندما وصلت الحاجز أوقفها الجند، تكلموا معها ليحاولوا تفتيشها، تحولت هديل إلى مسمار، لم تتحدث ولم تنطق، بقيت صامتة وغامضة، هذا كان سلاحها: الغموض وجهل الجنود بهويتها. لم يستمر الأمر لحظات حتى شهر الجندي بندقيته في وجهها وأطلق على جسدها ما تيسر له من رصاصات، فأرداها شهيدة في لباسها الأسود الذي كان صفاؤه كالحليب.
تصاعدت الأمور بعد أيام قليلة، وقتلت مجموعة فلسطينية مستوطنين بالقرب من مدينة نابلس انتقاماً لسعد ورهام وعلي دوابشة، الذين قُتلوا حرقاً على أيدي المستوطنين، ولم يبقَ على قيد الحياة من العائلة إلا طفلها الصغير أحمد. وفي نهار يوم آخر، طعن الشاب مهند حلبي من رام الله مستوطنين بمدينة القدس، واستشهد على أثر الحادثة. كان مهند طالبا في كلية الحقوق في جامعة القدس. كان صديق الشهيد ضياء تلاحمة ابن كلية الهندسة!
مهند قبّل يدي وجبين والد ضياء معزياً بصديقه، كان وقتها يرتدي قميصاً أسود، وارتدى وجهه رداء التجهم، يبدو أنه كبت غضباً في قلبه وخلف ملامحه المضطربة، فكان ان كفر هذا المحامي بكل الحقوق، وقرر ان يترافع في محكمة شوارع القدس العتيقة. انسحب مهند من مشهد تعزية والد ضياء على نحو سريع من المشهد، وكأنه استعجل الأمر أو قرره في حينها!

فجر اليوم التالي كان الشاب فادي علون يخرج من المسجد بعد صلاة الفجر متوجهاً إلى حي المصرارة بالقدس ليشتري فطوره اليومي من الفلافل والكعك المقدسي، إنه فطور الشهداء الأخير، وفي طريقه صادفته مجموعة من المستوطنين، ضايقوه وحرضوا بعضهم بعضا عليه، وتبادلوا عبارات الكراهية وعبارة "الموت للعرب"، استغاث بالشرطة الإسرائيلية، لكن، بئس المستغاث به ، قتلوه ونكل المستوطنون بجثته، باستمتاع لا "بدم بارد" فقط كما يقال في نشرات الأخبار.
وبعد الخليل ورام الله والقدس ونابلس، كانت طولكرم تشحذ همتها لتقدم حصتها. فقد أدت مواجهات وقعت غرب المدينة بين الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال إلى استشهاد الفتى حذيفة سليمان (18 عاماً) بعد إصابته بعيار ناري في بطنه، إذ بقي مصاباً حتى فارق حياته فجر اليوم التالي.
لا أعرف ما سر الفجر مع الشهداء؟! لقد كان حذيفة أيقونة لحب الفرح والرغبة في الإقبال عليه، صوره تنبض بهجةً وسروراً. إحدى تلك الصور كانت بالقرب من سيارة حفل زفاف، وحذيفة يقف أمامها بملامحه المطمئنة، مرتدياً قميصاً بتدرج زهري يبعث على المسرة. وفي صورة أخرى يجلس على أرض اعشوشبت بأخضر الربيع اليانع، وصورة ثالثة وهو منتصب القامة ويلبس لباس الحجيج الأبيض.
ويكتمل المشهد الجنائزي، حيث وضعت مريم العذراء مولودها المسيح الذي سيصبح لاجئاً، مثل الطفل عبد الرحمن عبيد الله (13 عاماً) ابن مخيم عايدة للاجئين شمال بيت لحم. كان عبد الرحمن يغادر مدرسته هو وأصدقاؤه، ويحملون في جيوبهم وحقائبهم المدرسية بعضاً من الألعاب الطفولية البريئة، جلس عبد الرحمن وأصدقاؤه على بوابة المخيم، بالقرب من مفتاح العودة، كان بعيداً عن نقطة المواجهات مئات الأمتار، إلا أن القناص الإسرائيلي أصر على أن يصوب رصاصته تجاه صدر الطفل، لتدخل إلى شرايين قلبه وتقطع عنه الحياة التي ما زالت في أولى براعمها. قتلوه وهو يلعب!
وبعد يومين، كان الشاب أمجد الجندي ( 17 عاماً) الذي يشتغل كعامل في الأراضي المحتلة عام 1948، قد توجه إلى حيث يعمل، لكن ليس ليسترزق ويكدح، وإنما ليثأر للشهيد الطفل عبد الرحمن. حاول أمجد أن يطعن جندياً في مستوطنة كريات جات المقامة على أراضي قرية عراق المنشية، لكن كانت رصاصاتهم الأكثر جدارة بصنع الموت. أي خوف هذا الذي تملكهم وهم يحاصرون أمجد بمسدساتهم وصراخاتهم بينما هو ينام على بركة من الدم؟ يا الهي! إنهم يخافوننا أمواتاً أيضاً.