شيع الفلسطينيون يوم الجمعة الماضي الشهيد مهند حلبي، وشارك به آلاف الفلسطينيين، ورغم بعض البقع النافرة في التظاهرة، البادية برفع رايات الفصائل أكثر من علم فلسطين، إلا أن المشهد كان مهيبا، ويدعو للفرحة والتسليم بأن الشعب الفلسطينيين ينهض من رمضاء العدم، ليكون ما يريد..


خلال تغطية التشييع، بثت القنوات الفضائية، من قرية سردا، وداع الشهيد مهند، وقد كان مسجى في أحد منازل البلدة، والناس يمرون أمامه يلقون نظرة الوداع، يقبلون رأسه ويخرجون بانتظار حمل النعش.
في الصورة، كان من البديهي البحث عن أم مهند، ولتمييزها من بين الحضور سيتبادر للذهن أنها امرأة بين الحضور، تبكي... لكن الملفت أن أم مهند ظهرت بين الجموع، سيدة تحاول تهدئة الآخرين، وتطمينهم أن مهند فعل ما يحب ويتمنى؛ وحين حاورها واحد من مراسلي القنوات الفضائية الكثر في تلك اللحظة، كانت اجاباتها واثقة حازمة ومتماسكة، كانت امرأة صلبة لا تهزها جلمودها المصائب
تقرير تلفزيوني لاحدى القنوات، قابل معده أم مهند بعد استشهاده بيوم أو يومين، قالت فيه: أن الشهيد قبّل أهله ونام ليلة تنفيذ العملية جوار أخيه الصغير، وفي صباح اليوم التالي توجه لجامعة أبو ديس، التي كان يدرس فيها الحقوق في سنته الأولى، وحين حلّ المساء وقاربت الساعة الثامنة والنصف من يوم العملية، بدأ القلق يتسرب إلى قلب والد مهند، وبدأت في الأثناء الأنباء تتوارد عن عملية طعن في القدس قتلت مستوطنين اثنين؛ تضيف أم مهند، أنها قالت لزوجها حينها: أنه لربما مهند هو منفذ العملية، وبالفعل كان شعور الأم صادقا، وأكد الخبر قريب للعائلة يعمل في الجامعة..
أجرب بين بيني أن أفهم شعور هذه الأم، حزنها، غضبها، دموعها التي لم تشاهد على شاشات التلفزة رغم دموع الكثيرين خلال وداع ابنها وتشييعه.. حاولت أن أفهم، ولكن استعصى عليّ أن أكون في موقفها.. فلعلّ الأمر فوق الفهم الإنساني الطبيعي، وقد وصلته هذه الأم، أم مهند حلبي، ربما وصلت إلى تلك السكينة التي جعلتها مطمئنة أن ابنها صار شهيدا، إذن هو بخير..
سابقا كنت أسمع في المخيم، أن الأمهات كانت تستقبل الشهداء بالزغاريد والرقص، وأحيانا يطلبن قبول التهاني لا التعازي، لكن المشهد بقي في مخيلتي ضمن رومانسية الثورة، ولم أشاهده يوما، بأم العين، رغم العديد من الشهداء الذين شيعهم مخيم اليرموك، مخيمي المستباح اليوم..
لكن أم مهند، كانت معاينة حقيقية لامرأة تستقبل ابنها الشهيد برقصة وزغرودة. حالة لا يمكن لها أن تكون فرحا، لكن الشكل أيضا ليس حزنا، وحدة الضدين هذه، من له القدرة على تفسيرها، هيغل ماركس، لا أعتقد أن أحدا في الكوكب سيتمكن من التفسير، ربما الشهيد نفسه من بوسعه فهم تلك المرأة التي راحت ترقص، كأنها رصاصة ستخيب ظن العدو، ظنه بأن بمقدوره أن يقضي على قوة الصبر والصمود لدى صاحب حق..
بعض ممن يدعون الشعر، جربوا الكتابة لمهند، فكانوا كذبة أخرى من كذب كثير نسمعه من السياسيين العرب والفلسطينيين، وبعض آخر دخل في التنظير السياسي لمثل هذا النوع من العمليات، لكن أحدا لم ينتبه أن من ربى مهند، أب وأم يعرفان الحب، أنجباه منه، وربياه عليه..