لجبل صافي وإقليم التفاح، في الجنوب اللبناني، مكانة خاصّة في قلوب المقاومين الأوائل. احتضنت تلك البقعة حكاية المقاومة، وقصص «مجاهديها وشهدائها وقادتها». نُسب العديد منهم إلى تلك المنطقة. اليوم، سينسب الإقليم إلى رجل «جديد»... حسن الحاج، المعروف بـ«أبو محمد الإقليم»، القائد الذي خرج إلى الضوء أول من أمس... شهيداً.


يعرف المقاومون «الحاج أبو محمد»، الأربعيني صاحب اللكنة الجنوبية. قصصه لا تُروى إلا في مجالس المرابطين على الخطوط الأمامية. «أبو محمد الإقليم» أو «الحاج ماهر»، ابن بلدة عرمتى وسكّان اللويزة، من أبرز قادة المقاومة، وأحد المسؤولين عن الجبهة الأمامية في مواجهة العدو الإسرائيلي. يصفه عارفوه بـ«أحد أعمدة المقاومة»، فهو العامل فيها «منذ بداياتها في منطقة إقليم التفاح». فـ«أبو محمد»، كما ينقلُ عنه تلامذته، يتمتّع بـ«قدرات عالية» في مجال التخطيط للعمليات. «بصمته واضحة في العمليات النوعية ضد العدو وعملائه، وأبرزها اقتحام موقعي سجد وبئر كلّاب»، حيث كان حاضراً في التخطيط والتنفيذ.
شغل «أبو محمد» منصب قائد المقاومة في منطقة إقليم التفّاح لمدة سبع سنوات. واكتسب اسم المنطقة لقيادته لها، ليعرف بـ«أبو محمد الإقليم». تعرّض لهجومين عنيفين، وحُوصر مع 30 مقاوماً في الإقليم من قبل العدو. يقول الراوي إنّ «هذه الهجمات كانت الأعنف التي تعرّضت لها المقاومة في تلك المنطقة». وفي إحداها، طلب «الحاج ماهر» من المقاومين إطفاء أجهزتهم اللاسكلية، إذ «لا مكان للتراجع أو الانسحاب».
ثمانية عشر عاماً من الاحتلال، سقى بها «أبو محمد» زهرة سنيه بالسعي الكبير والعمل على تعزيز وضع المقاومة الميداني. «كان يبذل جهداً غريباً في العمل، لم يكلّ ولم يملّ وبصمته في تحرير الجنوب جليّة. ولكنّه كغيره من المقاومين المجهولين في الأرض، المعروفين في السماء كما يصفهم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله»، يروي أحد عارفيه.
خلال السنوات الست التي تلت التحرير عام 2000، صبّ «الحاج ماهر» جهده في تعزيز خطوط المواجهة مع العدو. بات على تماس أكثر معه مطّلعاً على تكتيكاته وتحركاته. حفظ منطقة مسؤوليته جيّداً: المواقع المقابلة، السرايا والثكن، ونقاط انتشار قوات الاحتلال. بصَمَ «أبو محمد» عدوّه، وأعدّ له العدّة للمواجهة، وهذا ما تحقق إثر عملية «الوعد الصادق» في عام 2006. «أبدع في حرب الـ 33 يوماً» في منطقة الساحل الجنوبي، فهو أحد «أعمدة المواجهة في تلك الحرب».
صفات القائد بارزة فيه وإن لم يتكلّم. لا تغادر البسمة محيّاه. تواضعه «كان قاتلاً وغريباً». لا يرفع صوته أو نظره في وجه من يكلّمه. كان حديثه مع مجالسيه عن «العمل المقاوم واستذكار الأيام الأولى... في صافي».
ورغم غيابه المتكرر عن منزله، ووضعه الأمني، لم يمنعه ذلك من السعي الدائم لمواصلة حياته كأيّ إنسان. تابع تحصيله العلمي في الجامعة اللبنانية، وحثّ المقربين منه على استكمال علمهم، مقتنعاً بـ«أهمية ذلك في تطوير عمل المقاومة».
«كان معلّماً من دون أن يتكلم... كان يعمل ويعلّمنا»: شهادة من تلميذ للقائد. ويتابع في وصفه: «كان محترماً جداً، صعب المراس في العمل. لكن خلف هذه الصلابة، توجد شخصية هادئة ووديعة تحبّ الآخرين... وتحبّ أن تنقل تجربتها لهم». تعلّم «الحاج ماهر» من الجميع، فكان يرى في كل «مجاهد مدرسة». كان يردد «الله ع الحاج (عماد مغنية)»، عندما يحكي عنه.
يروي أن «الحاج كان أستاذ الجميع، وأنه أثّر بنا كلّنا». رحل أبو محمد في معركة الدفاع عن المقاومة في سوريا. عاد إلى بلدته مبتسماً... كعادته. سيلازم جبل صافي، والإقليم، ولن يغادرهما ثانية... فقد رجع إلى حيث أحبّ.
يشيّع الشهيد حسن حسين الحاج اليوم الساعة 4 عصراً في بلدة اللويزة،
جنوب لبنان