تدور اسرائيل في حلقة مفرغة. هي ترغب في انهاء الاحتجاجات الفلسطينية، ضمن شروطها ومن دون تنازلات، فيما الادوات العقابية المتاحة امامها للحد منها، كفيلة بدفع الفلسطينيين الى المزيد من الاحتجاجات.


ووسط التشديد على وجود «علامات للربيع الفلسطيني» واستدعاء تل ابيب للمزيد من الاحتياط لقمع الفلسطينيين، زادت تل ابيب خلال اليومين الماضيين، من وتيرة ومستوى اعتداءاتها في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وهي اعتداءات امتدت ايضا الى قطاع غزة عبر غارات جوية ادت لسقوط شهداء وجرحى من بينهم اطفال، فيما عاشت مدن وقرى الضفة والقدس يومين اخرين من تمادي الاحتلال في انتهاكاته واجراءاته القمعية.
وفيما بدا انه تقدير اسرائيلي بأن الاحتجاجات الفلسطينية ستستمر مدة طويلة، بل وستتطور الى المزيد من التصعيد في الاسابيع المقبلة، بحسب مصادر عسكرية رفيعة المستوى لوسائل الاعلام العبرية، استدعت تل ابيب سرايا احتياط جديدة لقمع الفلسطينيين، سيجري نشرها في القدس وعدد من المدن والبلدات الفلسطينية المحتلة. رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، اشار في مستهل جلسة الحكومة الاسبوعية امس قائلا: «لقد امرت بتجنيد 16 سرية احتياط من حرس الحدود لاعادة الامن والنظام»، وقال «من الافضل تجنيد قوات مكثفة مسبقا لمعالجة التطورات المحتملة من تجنيدها بعد فوات الاوان، وسنجنّد المزيد من القوات طالما لزم الأمر».
وبرز امس المزيد من الارباك والروايات المتضاربة لدى المسؤولين الاسرائيليين، وتحديدا بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الامنية؛ ففي الوقت الذي يشدد فيه نتنياهو وكبار وزرائه على مسؤولية رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن الوقوف خلف هبة الفلسطينيين في الاراضي المحتلة، تشدد الاجهزة الامنية الاسرائيلية على رواية مغايرة، وتؤكد موقف عباس الايجابي في رفض الاحتجاجات، وفي قمع ما سمته «الارهاب».


برز المزيد من الإرباك والروايات المتضاربة بين المسؤولين الإسرائيليين

وقال وزير الطاقة الاسرائيلي، يوفال شتاينتس، المقرب جدا من نتنياهو، ان «رئيس السلطة محمود عباس لم يدن الهجمات الارهابية ولم يوقف التحريض الداعي الى تدمير اسرائيل والشعب اليهودي، سواء في الاعلام الفلسطيني او لدى المؤسسات التربوية الفلسطينية، وهذا كله يعني انه هو المسؤول عن الدم الذي يسفك، وهذا الدم يسفك بسببه».
كذلك ايضاً، هاجم وزير التربية، رئيس حزب «البيت اليهودي» المتطرف، نفتالي بينيت، رئيس السلطة، ورأى انه لم يعد شريكا في العملية السياسية. وقال ان «دور عباس التاريخي قد انتهى، ولم يعد له دور مهم، وهو بالنسبة إلى اسرائيل يقود التحريض والتشهير ضدها»، رافضا تقديرات المؤسسة الامنية الاسرائيلية، التي بحسب تعبيره «هي تقديرات خاطئة، فضرر عباس بات اكثر من نفعه».
اما الاجهزة الامنية الاسرائيلية التي رفض بينيت تقديراتها، فكان لها رأي مغاير، عبر عنه جهاز الامن العام (الشاباك)، في جلسة الحكومة الاسبوعية امس، اذ كشف موقع «واللا» الاخباري ان الشاباك اطلع الوزراء على التقديرات والمعلومات الاستخبارية الاخيرة حول الوضع في القدس والضفة، مشيرا الى ان «رئيس السلطة، ابو مازن، يعمل ضد الارهاب». واضاف ان «هناك مسؤولين في حركة فتح ولدى السلطة يعلمون ضد اسرائيل، لكن ابو مازن نفسه يرفض الارهاب وامر الاجهزة الامنية الفلسطينية بالعمل على انهاء العنف». واشار تقرير الشاباك الى ان «معظم الناشطين والعمليات التي سجلت في اليومين الماضيين، جاءت بقرارات شخصية من افراد قرروا هم تنفيذ عمليات، ولم تكن مدفوعة من قبل تنظيمات».
وسجل امس تحرك اميركي، وإن خجولا، على خط معالجة الاوضاع الامنية المتردية في الضفة والقدس. واجرى وزير الخارجية الاميركي، جون كيري، اتصالين هاتفيين بعباس ونتنياهو، حاثاً الطرفين على ضبط النفس، ومعربا لهما عن «القلق العميق حيال العنف في الشرق الاوسط»، الا ان المكالمة ابقت الامور على حالها من دون تدخل. وبحسب بيانين صادرين عن مكتبي ننتيناهو وعباس، اشار رئيس الحكومة الاسرائيلية لكيري الى «ضرورة ان تتوقف السلطة عن التحريض الشديد القائم على الاكاذيب، الذي ادى الى موجة الارهاب الحالية»، فيما اشار البيان الفلسطيني الى ان عباس شدد لكيري على ضرورة ان تتوقف الحكومة الاسرائيلية عن “التغطية على استفزازات المستوطنين التي يقومون بها، في حماية الجيش الاسرائيلي».
وبرز امس موقف لافت لوزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة، عضو الكنيست عن «المعسكر الصهيوني»، تسيبي ليفني، التي اشارت في مقابلة خاصة مع موقع صحيفة «يديعوت احرونوت» الى انها تقدر جدا الجهد الذي تبذله الاجهزة الامنية الاسرائيلية، «الا ان القوة فقط لا تعيد الامن على المدى الطويل». وقالت «اخشى اني ارى علامات لبداية الربيع الفلسطيني، ولهذا علينا ان نوقف الاستيطان ونلتزم بحل الدولتين.. كما على نتنياهو ان يتخلى عن تفضيل مصالحه الشخصية واولويات البقاء في الحلبة السياسية، على حساب المصلحة الاسرائيلية».
وفي سياق متصل، اظهرت استطلاعات الرأي المنشورة امس في الاعلام العبري، عدم رضى اغلبية الاسرائيليين عن اداء نتنياهو، في معالجة الاحتجاجات الفلسطينية. وبحسب استطلاع رأي نشر امس في موقع القناة الثانية العبرية، اعرب 73 بالمئة من الاسرائيليين عن انهم غير راضين عن اداء نتنياهو، في مقابل اعراب نسبة كبيرة نسبياً، 21.9 بالمئة، عن ان رئيس حزب اسرائيل بيتنا هو انسب شخصية للتعامل مع المشاكل الامنية، و 17 بالمئة أكدوا الشيء نفسه، لجهة الوزير المتطرف، نفتالي بينت. وحول الشعور بالامان، اعرب 79 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع عن انهم باتوا يشعرون بامان اقل قياسا بفترة ما قبل الاحتجاجات الفلسطينية، فيما رأى 21 بالمئة ان لا تغيير لديهم.