بيجي | كان الوقت وقت صلاة. توقف المقاتلون لأداء صلاتي المغرب والعشاء. طلب أحد المرافقين تأجيل الصلاة إلى حين الوصول إلى القاعدة العسكرية التي نتجه إليها، فالطريق لن تستهلك أكثر من ثلث ساعة، لكن قائد المجموعة لم يُرِد تأخير الصلاة أكثر. رُكِنت السيارة عند نقطة للجيش العراقي على أعتاب مصفاة بيجي، حيث السيطرة على الجزء الأكبر من الأرض لتنظيم «الدولة الإسلامية». دقائق قليلة مضت، توضّأ فيها الجميع ليشرعوا في الصلاة.


أفطر قائد المجموعة الصائم على شربة ماء ثم انطلقنا في طريق العودة إلى الدرب الواصلة بين المصفاة وأحد المعسكرات التي يتمركز فيها خبراء لبنانيون وإيرانيون يُشرفون على سير المعارك في تلك البقعة المشتعلة من العراق. على هذه الطرق، يُصبح التنقّل خطراً ليلاً. يتداول العساكر هناك أخباراً عن كمائن وتسلل لـ«الدواعش» نتج منها اشتباكات جرت عن بُعد عشرات الأمتار فقط، فالمنطقة شبه مطوّقة من جهات ثلاث من أكثر التنظيمات تشدّداً في العالم. في تلك الليلة، كان الظلام دامساً، فيما يخيّم هدوء لا تخترقه سوى أصوات محرّكات السيارات الرباعية الدفع، التي تقلّنا، إضافة إلى بعض أصوات الانفجارات العميقة التي تخرق صمت المكان. لم يدم السكون طويلاً.

كاميرات نهارية وحرارية
وليلية متطوّرة تراقب تحركات المعسكر المقابل
لم تكد تمر دقائق على انطلاقنا حتى بدأ الرصاص ينهمر باتجاهنا مضيئاً عتمة الليل. كنّا نتعرض لاستهداف برصاص مدفع رشّاش من عيار ٢٣ ملم، بحسب قول أحد الراكبين في السيارة. أوقف السائق السيارة وأطفأ الاضواء. كان الساتر الترابي على يسارنا، لكن الرصاص استمر يُطلق باتجاهنا. دعا «الحاج» الجميع إلى مغادرة السيارة، فانسحبنا منها. افترش البعض الأرض، فيما بقي أحد الشبان المرافقين متأهِّباً خلف السيارة بسلاحه الرشّاش. كنا خمسة ركّاب في السيارة، ضابطان عراقيان وآخران من حزب الله وأنا. ظللنا على مقربة من السيارة ننتظر. في تلك الأثناء، شوهدت أضواء سيارة قادمة من بعيد. تعرّضت هي الأخرى لإطلاق نار، لكنّها أكملت طريقها لكونها مصفّحة. مضت دقائق بدت طويلة انتظرنا فيها بناءً على أمر «الحاج»، بالتريّث إلى حين يتوقف إطلاق الرصاص. كنا نسمع حينها أصوات تكبيرات قريبة، قال أحد مرافقينا إنّها «أصوات تكبيرات الدواعش»، فيما ردّ آخر بأن بينها «تكبيرات ونداءات جماعتنا»، أي الحشد الشعبي. تلا ذلك تبادل لإطلاق النار من كلا الطرفين. اشتدّ إطلاق النار وتخلّله صوت انفجار هدأ بعدها قليلاً إطلاق الرصاص. في حمأة تلك المعمعة، رفع «الحاج» نظره إلى السماء قائلاً: «كم هي جميلة اليوم... يا سبحان الله»، فردّ آخر «مليئة بالنجوم». هنا ضحك ثالث هازّاً رأسه، معلّلاً ضحكه بـ«يا عيني... حسيت صرنا بأجواء شهادة... الحمد لله اللي كنّا صلّينا». هنا أشار «الحاج» بالعودة إلى السيارة لتنطلق كالسهم على الطريق نفسها. أطلقت بضع رصاصات باتجاهنا، لكنها لم تُصب لنتجاوز الخطر.
تلك هي حال الشباب المرابط على جبهة القتال هذه. روتينٌ يكاد يُصبح اعتيادياً بالنسبة إليهم، ولا سيما أن بيجي، الواقعة ضمن محافظة صلاح الدين والتي تبعد عن العاصمة العراقية بغداد نحو ۲۱۰ كيلومترات في الطريق المؤدي إلى الموصل، معقل «أرض خلافة الدولة الإسلامية»، احتلّها مقاتلو التنظيم المتشدد أول مرة العام الماضي، قبل أن يتمكن «الحشد الشعبي» من استرجاع ٨٠٪ منها، ثم سقطت مجدداً بيد «الدولة الإسلامية» قبل أن يُستعاد نحو ٢٠٪ منها. هذه البقعة الصغيرة تحوّلت إلى نقطة انطلاق لمعركة استعادة بيجي التي تُقرع طبولها اليوم. وعلى هذه البقعة، تحوّلت بضعة منازل، استُئذِن أهلها لاستعمالها، إلى غرفة عمليات استخباراتية. مجموعة ضباط من الحرس الثوري وحزب الله، لهم باعٌ طويل في القتال، يساعدون الجيش العراقي و«الحشد» بالعمل على حُسن سير العمليات. يتولى هؤلاء التنسيق بين مختلف فصائل الحشد الشعبي، وينسقون إلى جانب ضباط من الجيش العراقي وفصائل المقاومة العراقية، في سبيل وضع خطة المعركة وإدارتها. كذلك يبذلون جهداً جهيداً في العمل الاستخباري لجمع المعلومات عن معسكر العدو واستعداداته. يدخل على هذا الخط «المُسيّرات»، طائرات استطلاع ومراقبة، التي تجوب سماء بيجي، راصدة كل كبيرة وصغيرة. إلى جانب المعلومات المستقاة من الهاربين من مناطق سيطرة «داعش»، ومعطيات يُحصل عليها من إفادات الأسرى الذين اعتقلتهم أكثر من جهة، فضلاً عن رصد الاتصالات وتعقّبها. وكل هذه المعطيات يسلمها «ضباط المعلومات»، بعد أن «تسيّل» على الخرائط على هيئة أهداف وإحداثيات، إلى كتائب الحشد الشعبي.
من القاعدة العسكرية في شمال بيجي، إلى تل بوجراد من الجهة الغربية، وصولاً إلى مصفاة بيجي (المصفاة الأكبر في العراق) تنتشر المراصد التي تراقب «خطوط العدو». كاميرات نهارية وحرارية وليلية متطوّرة تراقب تحركات المعسكر المقابل. حشودهم واستعداداتهم وتحصيناتها وحتى معالم تدل على خنادق حفروها أو شرعوا في حفرها. في الطرقات الواصلة بين المراصد الموزّعة، حكايات متعددة. «صهريج مفخخ انفجر هنا»، لا تزال بقاياه معلماً في الطريق؛ «شاب من الحشد قنصه داعش عن بُعد ٤٠٠ متر»، وثالث اكتشف تسللاً للدواعش الذين يأتون تحت جنح الظلام.
أما أصوات إطلاق النار والانفجارات فتكاد تصبح خلفية موسيقية ألفها حُرّاس هذه الجبهة هنا. في تلك الأثناء، يُسمع أصوات إطلاق نار، يقول مرافقنا إنها آتية من شمال شرق مصفاة بيجي، علماً أن شمال وشرق ووسط وغرب مدينة بيجي مسيطرٌ عليها من تنظيم «الدولة الإسلامية»، فيما «جزء من شمال المدينة معنا». وفي ما يتعلق بالمصفاة، يُسيطر الحشد الشعبي على الجهة الغربية منها. أما خط التماس الفاصل بين المعسكرين فيراوح بين ٨٠٠ متر و١٥٠٠ متر في الحد الأقصى. وفي هذا السياق، تكشف مصادر ميدانية لـ«الأخبار» أن ساعات قليلة تفصل عن بدء معركة استعادة بيجي، مؤكدة أن مقاتلي الحشد سيتمكنون من استرجاع المدينة خلال فترة قصيرة بعد بدء المعركة. وتشير المعلومات إلى أنّ قيادة التنظيم المتشدد لم تستقدم حشوداً كبيرة من المقاتلين على غير عادتها لأسباب غير محددة، علماً بأنه ليس لديهم القدرة على الصمود في وجه هجوم «الحشد»، بل يتّكلون على الهجمات الارتدادية، أي الكرّ بعد الفرّ. وهذا ما يطرح تحدياً فشل فيه الحشد غير مرّة، لجهة «تثبيت المكان المحرّر». وتعتبر المصادر أن «انطلاق المعركة مسألة ساعات»، ولا سيما أن «الحاج قاسم» سليماني، قائد فيلق القدس، وصل قبل يومين للتعاون مع القيادة العراقية في الاشراف على المعركة. وكشفت المصادر أنّه عقد اجتماعات مع كبار الضبّاط للاطلاع على الاستعدادات الجارية. الأنظار كلها متّجهة إلى بيجي، العقدة التي تتوسط الطريق المؤدي إلى أرض «الخلافة الإسلامية» في الموصل. «عُقدة» تُجمع المصادر العسكرية على أنها ستُستعاد قريباً جداً. فهل تكون الفلوجة، الواقعة في محافظة الأنبار، على اللائحة بعد بيجي، ولا سيما أن المعلومات المسرّبة تتحدث عن دور أميركي يدفع إلى استبعاد اقتحام «الحشد» للفلّوجة بإشراف إيراني مع علمه بقدرة الحشد، فينجح الإيراني حيث فشل الأميركي سابقاً؟