البدايات شائكة، خصوصاً لمن يعيش داخل أراضي عام 48. يعرف ذلك جيداً كلّ من يصادف محتلّه، ليل نهار، في العمل أو الجامعة أو الشارع. صارت الأماكن تحمل كلّها أسماءً عبرية لا تشبه وجهه الفلسطيني، دونما قدرة على مقاومة أو فعل شيء ضد المحتل، خوفاً من الاعتقال... أو حرمانه حقوق الدرجة الخامسة!

لكن، يوم أمس، انتفض الشارع. عشرات الآلاف لبوا النداء متوجهين إلى مدينة سخنين (الجليل الأسفل) للمشاركة في أكبر تظاهرة شهدتها الأراضي المحتلة عام 1948، بعدما التزمت مختلف المناطق الإضراب العام، مغلقة المدارس والمحلات التجارية.

التراكم الطويل للاعتداءات العنصرية اليومية للاحتلال، التي لم توثّق إعلامياً، وثقها فلسطينيو الـ 48 في ذاكرتهم الجمعية. القشة التي قصمت ظهر البعير كانت اقتحامات المستوطنين الأخيرة للمسجد الأقصى، وسقوط الشهداء في الضفة المحتلة، وقطاع غزة، والقدس. أيضاً محاولة إعدام إسراء عابد، قبل بضعة أيام، في العفولة لمجرد كونها محجبة وذات ملامح عربية، شكلت هي الأخرى نقطة فاصلة بالنسبة إليهم.
أما الغطاء الذي توفره المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وجهازها القضائي للمعتدين، من مستوطنين ورجال شرطة وجنود، فليس إلا عقاباً لفلسطينيي الـ48 على تلاحمهم ووحدتهم مع إخوتهم في باقي مناطق فلسطين. ففي الشهر الأخير، وقعت مئات من حالات الاعتداء الجسدي واللفظي، والطرد من العمل. معظمها لم يوثق ولم تقدم شكوى فيه، هذا ما شرحه الأمين العام لحركة «كفاح»، أيمن حاج يحيى، لـ«الأخبار».

مشاهد تتكرر للمرة الأولى منذ 2000 في مدن الداخل المحتل

ففي الكرمل ــ حيفا، طعن يهودي متطرف فلسطينياً في بطنه، مساء أمس. استطاع الهرب إلى محطة وقود قريبة وطلب النجدة. وأيضاً اعتدى مستوطنون متطرفون على سيدة فلسطينية من مدينة الطيبة (المثلث) أصيبت إثر ذلك بجراح متوسطة، وتلقى فلسطيني يملك دكاناً في مجمع تجاري في «كريات آتا» بالقرب من حيفا، تهديداً من متطرفين يهود، ما استدعى طلب حماية شخصية، بعدما رفض المجمع التجاري توفيرها له. كذلك في تل أبيب حدث شجار بين فتاة فلسطينية من حيفا، وشاب يهودي داخل سيارة أجرة، ما دفعه إلى الصراخ وطلب النجدة، زاعماً أن الفتاة حاولت طعنه. كذلك وثق شريط مصور اعتداء متطرفين يهود على عامل فلسطيني في بلدية ديمونا.
من المؤكد أن هذه الاعتداءات ليست عفوية، بل هي مخططة وتجري ضمن دعوة تحريضية عنصرية على فلسطيني 48. كما انتشرت على وسائل الاتصال الاجتماعي داعية اليهود إلى الابتعاد عن العرب وتبليغ الشرطة لتفتيشهم. وجاء في الدعوة أيضاً أنّ «من الممكن أن يكون هؤلاء العرب أصدقاءك في العمل أو المدرسة منذ 10 سنوات. هذا لا يهم. فكل شيء تغير بسبب الدعوات التحريضية في المساجد والمدارس التي تجعل اهتمامهم يتركز على الشهادة فقط».
أيضاً، ثمة هوس إسرائيلي كبير دخل أروقة المؤسسة الأمنية. فقد أصدر الجيش، أمس، تعليمات لمجنديه بمنع النوم في وسائل النقل، الحافلات أو القطارات. كذلك عليهم ألا ينتظروا طويلاً في محطات الحافلات لقدومها، إضافة إلى أنه جرى التشديد عليهم بمنع التواصل عبر «واتس أب» ونقل أخبار العمليات كي لا يساهموا في حالة البلبلة. ولا تزال شرطة الاحتلال تتلقى آلاف الاتصالات يومياً، فحواها الاشتباه في أحد أو في حقيبة ما على الطريق. كذلك تزايدت نسبة شراء الإسرائيليين للسلاح الشخصي أو الرشاشات، وصلت إلى 500%، ونحو ثلاثة أرباع هذه النسبة في القدس، فيما أعرب 73 في المئة من الإسرائيليين عن أنهم يشعرون بأنهم غير آمنين.
إن ما يحدث ليس جديداً، لكن هذه البقعة الفلسطينية بالتحديد غابت عن مشهد الرصاص والقنابل المسيلة للدموع منذ 15 عاماً. ما الذي أعاد الشريط إلى عام 2000 هذه المرة إذاً؟ الشباب والناشطون الفلسطينيون يقولون إن لا أحد يحركهم، لا أحزاب ولا قادة سياسيين ولا رؤساء بلديات، بل هؤلاء القادة السياسيون لعبوا دوراً في لجم الشبان عام 2000. يفعلون ذلك اليوم أيضاً، فهم يتلقون اتصالات من رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يدعوهم فيها إلى التهدئة واحتواء المشهد قبل الانفجار الكبير المرتقب.
أمس، تعرض أبناء سخنين لكمين، وذلك بعدما توجهوا للاعتصام على مفترق مسغاف، فوجدوا أن البلدية قد استأجرت رجالاً يتبعون لشركة أمن خاصة بهدف صدّهم وتفريقهم. هذه الخطوة أجبرت المعتصمين على العودة إلى داخل القرية تلافياً لوقوع صدام واشتباك مع أمن الشركة الخاصة. يقول الناشطون إن «حُرقتهم» على أبناء القدس ومشاهد الإعدامات الميدانية هناك، هي وحدها ما دفعهم إلى التفكير بأن عليهم أن يفعلوا شيئاً ما، فهم لمْ يعودوا بمنأى عمّا يجري، والرصاص الذي انطلق من بنادق الجنود الإسرائيليين في محطة الحافلات في العفولة باتجاه شابة محجبة من الناصرة، يمكن أن يتجه إليهم في أي لحظة بسبب ملامحهم العربية.
في كفر مندا (الجليل الأسفل)، أغلق الشبان الشارع الرئيسي بالإطارات المشتعلة. حضرت جيبات الجيش الإسرائيلي إلى المكان، ومن الفور، بدأ الجنود بإطلاق وابل من قنابل الغاز والرصاص المطاطي، فردّ الشبان برشقهم بالحجارة. مشهد تكرر للمرة الأولى في طمرة، وحيفا، ويافا، وأم الفحم والطيبة وغيرها، منذ عام 2000. الأخوان عبيدة ومحمد بشناق يرويان لـ«الأخبار» حادثة اعتقالهما من مكان تظاهرة كفر مندا. يقولان: «هاجمنا الجنود، أمسكوا بنا، وبدأوا بركلنا وضربنا بكعاب البنادق. لا تزال آثار الضربات على أجسادنا. كانوا يشتموننا ويتهموننا بالإرهاب، ثم كبلوا أيدينا واقتادونا إلى مركز التحقيق، ومعنا إيهاب زيدان ومحمود زعرور وهما قيد الاعتقال حتّى اللحظة».
يرى يحيى أن أحداً لم ينجح في معرفة توقيت الانفجار، وأن ما أجبر الناس على التحرك في المناطق، هو الدفاع عن وجودهم، بعدما شعروا بالخطر الذي بات يهدد حياتهم ومصالحهم، لذلك، فإنه «إذا استمر الوضع على هذا النحو، فلن تستطيع القيادات السياسية ولا الأحزاب جر الشارع إلى التهدئة».




القدس تتصدر المواجهة... والغزيون على الحدود

نفذ مقدسيّان، صباح أمس، عملية مزدوجة. أطلق أولهما، وهو بهاء عليان، النار في حافلة إسرائيلية في القدس قبل أن يسقط شهيداً، فيما طعن بلال أسعد (اعتقل لاحقاً) الركاب، ما أدى إلى مقتل إسرائيليَّيْن وجرح ستة عشر آخرين، بينهم ثمانية في حال الخطر. كذلك جرت عملية أخرى في المدينة، نفذها المقدسي علاء أبو جمل، على مقربة من محطة الحافلات في القدس، حيث دهس خمسة مشاة، قتل أحدهم وأصيب أربعة بإصابات خطيرة. وأيضاً في باب العامود في البلدة القديمة، استشهد مقدسي بنيران العدو، بعدما نفذ عملية طعن أصيب فيها إسرائيلي. وفي رعنانا، بالقرب من تل أبيب، نفذ الشاب طارق دويك (22 سنة) عملية طعن، أصيب خلالها بجروح خطرة، فيما أصيب إسرائيلي بجراح متوسطة. وفق وزارة الصحة الفلسطينية، بلغ عدد الشهداء منذ بدء الانتفاضة الشعبية مطلع الجاري، 30 شهيداً، من بينهم سبعة أطفال، فيما بلغ عدد المصابين بالرصاص الحي والمطاطي أكثر من 1400، فضلاً عن أربعة آلاف مصاب بالاختناق جراء الغاز المسيّل للدموع. وأمس فقط جرح نحو 329 في الضفة، و 42 في غزة، ومن بين الحالات 20 بالرصاص الحي.
(الأخبار)