لو كتبت هذه السطور قبل أيام قليلة لكانت مقدمتها مختلفة، ولكان يجب أن نركز على استشراف مستقبل هذه الانتفاضة في فلسطين، ومستقبل المواقف المختلفة منها. لكن موجة الإعدامات البطيئة بحق الأطفال في القدس، والرقصة السادية حول الطفل أحمد مناصرة وهو يصارع الموت، وتصوير ذلك وتسهيل نشره، قد أوضح الصورة وجعل مستقبل الانتفاضة والمواقف منها واقعاً، وأعاد تركيب المشهد، كما فرض جملة اعتبارات جديدة، وفرض كلمة خاصة بحق هذا الجسم الهلامي المسمى «السلطة الفلسطينية»، وبحق بقية التركيبة الفلسطينية الحزبية التي أصابها عفن أوسلو بلا استثناء.


هذه الإعدامات بحق الأطفال، والفتيان تحديداً، لا تعبّر عن مجرد حقد ومحاولة قمع لانتفاضة سلاحها الحجر وما تيسر في المنزل من أدوات، بل هي سياسة مدروسة ومتعمدة اتخذت بعد أن تابعت الحكومة الإسرائيلية الأحداث في الأيام العشرة الأخيرة وخرجت باستنتاجاتها. هذه الحكومة حتى الأمس القريب ظنت أن انطلاق انتفاضة ثالثة شاملة تربط الضفة المحتلة بقطاع غزة وبالداخل الفلسطيني احتمال صعب وبعيد. بل إن بنيامين نتنياهو بدأ يقدم نفسه إلى جمهوره وهو مطمئن إلى أنه الذي استطاع أخيراً تطبيق فكرة «السلام الاقتصادي»، على اعتبار أن هناك «استقراراً أمنياً» لم يسبق له مثيل، رغم استمرار الاستيطان وتعطيل ما يسمى «عملية السلام».

هذا التحرك يمكن وصفه بـ«الجنون الجميل» الذي يصنع المعجزات

هي الطمأنينة التي عبّر عنها تصاعد عمليات المستوطنين بالقتل والحرق والإهانة للفلسطينيين دون خشية من رد فعل مقابل، وعبّرت عنها المحاولة الجدية لتقسيم المسجد الأقصى زمنياً ومكانياً. وقيادة السلطة نفسها كانت تشارك العدو هذا الاعتقاد. فمحمود عباس عندما كرر أكثر من مرة أنه «لن تكون هنالك انتفاضة ثالثة وأنا على رأس السلطة»، لم يكن يعبّر عن مجرد موقف سياسي أو أمنية شخصية، بل كان يعطي تقديراً عملياً مستنداً إلى نتائج سياساته منذ عام 2005 حتى اليوم، على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية. بمعنى آخر: بدت كل من السلطة وإسرائيل في السنوات الأخيرة على يقين بأنهما استطاعتا أخيراً إنتاج ما يسمى «الفلسطيني الجديد» المدجن الذي يعيش من أجل نفسه كفرد، وهو الذي لم يحركه عدوان عام 2014 على قطاع غزة كما يجب، رغم ما شاهده من فظائع، لذلك لن يحركه اصطدام محدود هنا أو هناك.
أيضاً، ساد تقدير أمني اسرائيلي في السنتين الماضيتين عبّر عنه التقرير الاستراتيجي لما يسمى «معهد أبحاث الأمن القومي» لعامي 2014ــ2015، يصف منفذي العمليات الفردية بـ«الذئاب المنفردة»، وكلمة منفردة هنا لها دلالة سياسية وأمنية، أي إن هذه العمليات تنفذ بدافع فردي غير منظم. ورغم صعوبة التعامل الاستخباري معها، فإنها تبقى غير شاملة، وكذلك تبقى تداعياتها بسيطة. هنا تحديداً تمثلت المفاجأة بالنسبة إلى نتنياهو، فهذا الفعل الفردي استطاع في النهاية تحريك الشارع لينتقل من الفردية إلى العمل الجماعي، وليشمل بقية الضفة ويمتد إلى غزة وحيفا والناصرة. عنصر المفاجأة الأقوى بالنسبة إلى العدو، والذي دفعه إلى ممارسة الإعدام الميداني وتصويره وبثه، تمثل في طبيعة الفئة العمرية الفلسطينية التي كانت خلف مراكمة هذا الفعل الذي تحول إلى انفجار شامل، وهي بين 15 ــ 20 عاماً.
هذه الفئة بالمفهوم السوسيولجي لا تزال خارج إطار الهموم المعيشية والاقتصادية، أي إنها على هامش النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي تم بناؤه في السنوات العشر الأخيرة، والتغيير بالمفهوم السياسي غالباً يأتي ممن يسكنون هذه الهوامش، لأنهم يتبعون فطرتهم وعفويتهم النقية، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة ودراسة الظروف ومدى ملاءمتها، أي إن تحركهم يمكن وصفه بـ«الجنون الجميل»، الذي بغيره لا يمكن صنع المعجزات والتفوّق على الذات وواقعها البائس.
هو جيل في سن الورد، وتفوّق على نفسه وعلى واقع شعبه وقياداته البائسة، فركل برجله أسوار تلك المزرعة السعيدة بما فيها من ذل، وقد اعتقد القادة أنهم أدخلوا الشعب بأكمله إليها، لتنحصر حياته بين الخروج صباحاً سعياً وراء رزقه، ثم يعود في المساء يثرثر وينام محتضناً هزيمته ومنسجماً مع ذلّه. هذا الجيل رقع الثقوب التي أحدثوها في وعي الناس وأسقط الثقافة اللاوطنية التي بدأت تتغلغل في إعلامنا ومقالات جزء كبير من مثقفينا، وهو الجيل الذي بعشرة أيام فقط أخرجنا من فقاعة الوهم ووضع حداً لغسل الأدمغة. خرج هؤلاء الفتية والشباب ليقولوا إن قضيتنا الأساسية وطن محتل نريد استرداده، وليس بحثاً عن دولة في الفراغ. وربما هي سخرية القدر أن تترافق الإعدامات بحق أبناء هذا الجيل مع صور محمود عباس وهو يفتتح شركات اقتصادية ويوقّع اتفاقات تجارية. ليس هناك أكثر من هذا المشهد وضوحاً وتلخيصاً للحالة السياسية الفلسطينية الراهنة التي يخشى العدو أن تتغير على أيدي هؤلاء الشباب، فالقيادة استبدلت الوطن بدولة من وهم وعقود تجارية، وثمة جيل صغير يعاند ويحاول العودة بالقضية إلى جذورها.
ليس في الأمر مبالغة لو قلنا إن هذه الانتفاضة تستحق أن تسمى عن جدارة «انتفاضة الوعي»، الوعي الذي يخيف الاحتلال أكثر من الموت. لذلك فإن نتنياهو هاجم واحتج عند السلطة على إعادة بث أغاني الانتفاضة الأولى، وعلى ما يقال في مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يوجعه الحجر والسكين، لأنه لا يريد لهذا الوعي أن يعود. ربما الساسة الإسرائيليون اليوم يفكرون في أنه كيف لجيل لم يعاصر حتى الانتفاضة الثانية أن يستلهم بكل هذه البساطة روح الانتفاضة الأولى ويتخذ من وسائلها وسائل له، وهو الاستلهام الذي يمكن أن نلاحظ آثاره في حديث الفلسطينيين اليوم وانفعالاتهم وروح التضامن بينهم.
لهذا كله، يستهدف العدو هذه الفئة وهذا الجيل، ويمارس ضده حرباً استباقية قبل أن ينجح في إدارة البوصلة الوطنية إلى مسارها الصحيح، لذلك يأتي تصوير الفيديوات لعمليات الإعدام ونشرها كعمل غير عفوي، بل هي سياسة موجهة في الأساس إلى الأمهات والآباء حتى يجبرهم الخوف والرعب على سجن أبنائهم في البيوت، وهذا ما يفسر عمليات الإعدام. إنها حرب استباقية ضد هذا الجيل، وضد عودة الوعي.
لكن، وبعد أن أخذت الأحداث مسارها ودخلت هذا التطور، يجب على الشباب أن يأخذوا نفساً عميقاً ليفكروا كيف عليهم أن يديروا دفة هذه الانتفاضة من دون أن يعيدوا أخطاء الماضي. وكلمة السر هنا تكمن في التمنّع عن الانجرار وراء الغضب الأعمى والدخول في سباق الفعل ورد الفعل، أو القتل مقابل القتل، لأن هذا سيحرف الانتفاضة عن مسارها الصحيح، وسينقلها فجأة من نموذج الانتفاضة الأولى إلى ضياع الانتفاضة الثانية. المطلوب هو التمسك بشعبية الأحداث ووسائلها السائدة حتى الآن، وابتداع أساليب نضالية جديدة لا تقتصر على المواجهة المباشرة، بل تتيح المجال لكل الفئات العمرية والاجتماعية، من رجال ونساء ومحامين وأطباء وعمال، للمشاركة كل من موقعه وقدرته. كذلك يجب الحذر من الوقوع في دائرة رد الفعل حتى لا يفرض العدو أسلوب المواجهة وشكلها.
على الصعيد الداخلي، يجب الحذر من الوقوع تحت وصاية الأحزاب السياسية أو برامجها الكالحة، بل إن استمرار الانتفاضة وتنوّع أساليبها واتساع الفئات المشاركة فيها هو الكفيل بإفراز واقع سياسي جديد، وقيادة محلية جديدة. هنا على الأحزاب وقيادتها التقليدية السير خلف هؤلاء الشباب وتبنّي برنامجهم بعيداً عن منطق الوصاية، فهي الانتفاضة التي عليها أن تسقط أوسلو ثقافياً، بالتخلص من ثقافة الاستهلاك والفردية الضيقة والفهلوة والنفاق الاجتماعي، ثم إعادة الاعتبار للأولويات الوطنية ولثقافة التضامن والانسجام بين الفلسطينيين.
على هذه الانتفاضة أن تسقط أوسلو سياسياً بمنع قيادات السلطة من الاستمرار في التبجّح بالتعاون الاستخباري والأمني مع العدو تحت مسمى «التنسيق الأمني»، وعلى هذه الانتفاضة إسقاط أوسلو جغرافياً، بتنسيق أنشطة جماهيرية مشتركة بين الضفة والقطاع والداخل والشتات، لتأكيد وحدة الشعب والأرض. وربما علينا أن نتساءل: لماذا لم يتحرك فلسطينيو اللجوء؟ الإجابة تكمن في المصير الذي وصلت إليه منظمة التحرير وفي إدارة ظهرها لهم.
قلنا في مقالة سابقة في صفحات «الأخبار»، قبل أن تنفجر الأحداث بهذا الشكل، إنه تبقى المراهنة على ما بدأ في القدس، وعلى مبدأ تراكم الوعي والفعل. الآن ها هي دائرة الفعل والوعي تتوسع وتتجاوز أسوار القدس، لذا يجب المحافظة على هذه الاستمرارية. الانتفاضة الحالية لن تحرر فلسطين وليس المطلوب منها ذلك، ولكن عليها أن تعيد الفلسطيني إلى نفسه وتعيد إليه وعيه الذي عملوا على تشويهه، ثم ترتيب أولوياته. عليها أن تهدم سياج «المزرعة السعيدة» وذلّها.