دمشق | بين ليلة وضحاها، تحوّل خالد (اسم مستعار) من مدير مركزي في إحدى مؤسسات الدولة، إلى عامل مصروف من الخدمة، لينضمّ بذلك إلى شريحة واسعة من العاملين الذين فقدوا وظائفهم بقرار من رئيس الحكومة لأسباب مختلفة، بدأت سابقاً بشبهة «الفساد وعدم النزاهة»، وانتهت أخيراً بحجج «سياسية وأمنية». لجأ خالد إلى القضاء الإداري، أملاً في إنصافه، لا سيما أنه «لم يخضع لأيّ تحقيق رسمي، ولم يسأل عن أي شيء قبل صرفه من الخدمة».


فالقصة باختصار أنّ «القرار اتخذ بناءً على تقييم سياسي وأمني، جرى على خلفية وشايات وتقارير غير صحيحة»، بحسب ما يقول خالد.
مرّت ظاهرة صرف العاملين من الخدمة في مؤسسات الدولة المختلفة بثلاث مراحل؛ الأولى قبل الأزمة، ولجأت إليها بكثرة حكومة محمد ناجي العطري، بحجّة مكافحة الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة، وفشلت لاعتمادها على الشبهة والتسرّع في إصدار قرارات الصرف، وحصرها بفئة الموظفين الصغار. أمّا المرحلة الثانية، فقد بدأت مع دخول البلاد في نفق الأزمة، وفيها وعدت حكومة عادل سفر بمعالجة أوضاع المصروفين، وشكلت لذلك لجاناً عدّة، لم تؤدّ أعمالها إلى نتائج حقيقية، لتستعيد الظاهرة زخمها من جديد خلال العامين الأخيرين، مشكّلة بذلك المرحلة الثالثة التي تميزت بغلبة الأسباب السياسية والأمنية، أو ما تسميه الحكومة حرفياً «تورّط العامل بالأعمال الإرهابية التي تقوم بها المجموعات الإرهابية المسلحة»، على مبرّرات الصرف من الخدمة.
وبخلاف المصروفين من الخدمة لأسباب تمس «النزاهة والعمل»، والذين يقدر عددهم بأكثر من 7 آلاف عامل، وفق تقديرات وزير العمل خلف العبدالله، فإنّه لا تتوافر، إلى الآن، إحصائية رسمية ترصد عدد العاملين المصروفين من الخدمة بتهم سياسية، وأخرى متعلقة «بالإرهاب ونشاط المجموعات المسلحة». لكنّ مصدراً في وزارة المالية يعتقد أن قرارات الصرف من هذا النوع باتت تشكل ما بين 70 إلى 75% من إجمالي قرارات الصرف الصادرة عن رئيس الحكومة.

ارتفاع منسوب الشك

رغم محاولة الحكومات المتعاقبة إظهار «حسن نياتها» من إصدار مثل هذه القرارات، عبر تركيزها تارة على أن هدفها من الخطوة هو مكافحة الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة، وتارة أخرى على مواجهة تأييد البعض لـ«الأعمال الإرهابية»، إلا أن الواقع كان دائماً يرفع من مستوى الشك وعدم الثقة لدى المواطن تجاه هذه الآلية.


العديد من العاملين حَكم القضاء بإعادتهم إلى العمل ولم توافق الحكومة على ذلك
فالقضاء الإداري، الذي يتولّى النظر في دعاوى المصروفين من الخدمة، أصدر قرارات كثيرة، بعضها اكتسب الدرجة القطعية، قضت بإعادة عاملين إلى وظائفهم، وبإلزام الجهات العامة بدفع كامل مستحقاتهم المالية، بما فيها رواتبهم الشهرية خلال فترة صرفهم من الخدمة، وهذا ما جعل بعض الجهات العامة ترفع صوتها محذّرة من هذه «العبثية»، وتقترح إحالة العامل، المتهم بقضية ما، إلى القضاء مباشرة ليحاكم وهو على رأس عمله. طرحٌ يؤيّده الاتحاد العام لنقابات العمال، بحسب حيدر حسن، عضو المكتب التنفيذي، وأمين الشؤون العمالية في الاتحاد، الذي يؤكد لـ«الأخبار» أن «قرار رئيس الحكومة في هذا المجال هو قرار إداري، والمنطق يفرض أن يصدر هذا القرار بعد صدور القرار القضائي، وليس قبله». والإشكالية لم تتوقّف عند هذا الحد، «فالعديد من العاملين الذين حكم القضاء بإعادتهم إلى العمل، لم توافق الحكومة على إعادتهم إلى وظائفهم». وما زاد من ضعف موقف الحكومة، حيال هذه المسألة، أن بعض المصروفين من الخدمة، الذين تمّت إعادتهم إلى العمل، تسلّموا لاحقاً مناصب قيادية داخل الدولة، فضلاً عن السير الذاتية المتميزة لعاملين كثر كانوا ضحية وشايات، وتقارير كيدية، هدفت إلى الإساءة لهؤلاء، وإبعادهم عن العمل في الشأن العام، تحقيقاً لمصالح معينة. في المقابل، هناك عاملون يستحقون الصرف من الخدمة، إمّا لتورطهم في أعمال فساد، أو دعمهم للإرهاب، لكن الصرف يجب أن يتمّ وفقاً لما نصّ عليه «القانون 20» لعام 2012، والذي اشترط صدور حكم قضائي مكتسب الدرجة القطعية.
وعلى ذلك، فإنّ فقدان الثقة بإمكانية معالجة أوضاع المصروفين من الخدمة، وعدم وجود ضمانات تحول دون «تعسّف» أيّ رئيس حكومة في ممارسة صلاحياته في هذا المجال، يدفعان باتجاه محاولة معالجة «المشكلة من جذورها»، أي المطالبة بإلغاء المادة 137 من قانون العاملين الأساسي، التي تتيح لرئيس الحكومة صرف العامل من الخدمة، لا سيما أن هناك لجنة حكومية تعكف حالياً على تعديل قانون العاملين. فمثلاً، اتحاد العمّال لديه اعتراض على بقاء هذه المادة في قانون العاملين، على الأقل في وضعها ومضمونها الراهنين. ويؤكد حسن أنّ «المادة تتيح لرئيس الحكومة صرف العامل من دون أي استجواب، والأهم أن مبررات الصرف التي اعتمدت عليها الحكومة لم تكن مقنعة للقضاء، في كثير من الحالات، بدليل القرارات التي يصدرها لمصلحة العاملين». لكن بالنظر إلى طبيعة التعديلات التي يجري الحديث عنها، فإن من غير المتوقع أن تُقدم اللجنة المذكورة على المسّ بجوهر المادة 137، ليترك مصيرها لمناقشات أعضاء مجلس الشعب. وهذا ما أكده وزير العمل خلف العبدالله، في تصريحه لـ«الأخبار»، إذ أشار إلى أن «الحكومة ستقدم لمجلس الشعب رؤيتها للتعديلات المطلوب إجراؤها على قانون العاملين، ولأعضاء المجلس الحرية في مناقشة هذه التعديلات واقتراح ما يرونه مناسباً، بما في ذلك وضع المادة 137»، وبذلك تعود «الكرة» مجدداً إلى «ملعب» مجلس الشعب الذي كان قد فشل سابقاً، وتحديداً منتصف العقد الماضي، في إلغاء المادة «الشهيرة»، مكتفياً بإضافة فقرة عليها تحفظ للعامل حقه الدستوري في اللجوء إلى القضاء.