عدن ــ الأخبار

تقف عدن اليوم على حافة هاوية لم تبعدها عنها عودة رئيس الحكومة المستقيلة خالد بحاح ولا الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي، قبل رحيلهما عنها مجدداً. لقد عاد الرجلان اللذان من المفترض أن يمثلا «الشرعية اليمنية» كنزلاء في فندق في المدينة الجنوبية، عاجزين عن الحركة، في وقتٍ ترسخت فيه الفوضى الأمنية من قبل التنظيمات المتشددة، التي بدأت ممارساتها تطال الحياة الاجتماعية والشخصية للجنوبيين.

في هذا الوقت، ظهرت بوادر توتر محدود بين عناصر «الحراك» و«المقاومة الجنوبية» من جهة، خلال إحياء ذكرى ثورة «14 أكتوبر»، وبعض المنتمين إلى تنظيم «أنصار الشريعة» الذي سعى إلى منع أي محاولة «حراكية» لإقامة اعتصام مفتوح في ساحة العروض في خورمكسر عقب انتهاء فعاليتهم أول من أمس، على الرغم من عدم صدور أي إشارة عن القائمين تدلّ على عزمهم على الشروع في اعتصام مستمر.
على أن التوتر موصول كذلك داخل «الحراك» نفسه على خلفية الفعالية وما ظهر من خلافات مكوناته بشأنها، لا سيما المتعلق برفع صورة أيٍّ من الرئيسين: «الرئيس الشرعي» للجنوب، علي سالم البيض، أم «الرئيس الشرعي» لليمن، عبد ربه منصور هادي؟ فبعد اتفاق ممثلي المكونات على عدم رفع أيّ من الصورتين في ساحة الاحتفال واستبدالهما إلى جانب صور الشهداء برفع لوحة كبيرة تضم صورتي الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز ورئيس الإمارات خليفة بن زايد (الأمر الذي أثار سخط بعض الحراكيين ودفعهم إلى مقاطعة الفعالية)، فوجئ الحاضرون عشية الاحتفال بإصرار أنصار البيض على رفع صورة له، لترفع بعدها صورة مثلها للزعيم الجنوبي حسن باعوم، وكلاهما أصغر حجماً من صورتي الزعيمين الخليجيين في اللوحة الرئيسة على منصة الاحتفال التي خلت تماماً من أي صورة لهادي أو لأيٍّ من قادة «تيار الاعتدال» في «الحراك الجنوبي». وقد وضع ذلك مخالفيهم أمام أمر واقع آثروا معه الانسحاب من الفعالية احتجاجاً وتجنباً لأي تعقيد قد ينشأ بسببه، خشية أن يكون مختلفاً هذه المرة عمّا ألفوه أيام الحراك السلمي، فالجميع مسلّح الآن وحديث العهد في الحرب.


دعا عناصر متشددون أهالي بعض المناطق إلى عدم الاستماع إلى الأغاني

وبدت فعالية الأربعاء هزيلة جداً من حيث الحضور الشعبي الذي لم يتجاوز ثلاثة آلاف شخص، بحسب تقديرات بعض الحاضرين، مقارنةً بفعاليات «الحراك الجنوبي» السابقة التي كانت تشهد ازدحام ساحتها بعشرات الآلاف من المتظاهرين تبرّر إلى حدٍّ ما تسميتهم إياها «مليونيات».
ولدى سؤال «الأخبار» بعضاً من المشاركين القادمين إلى الفعالية من حضرموت عن الحشد المليوني الذي يتحدث عنه البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، أجاب أحدهم ساخراً: «بل قل: أين العشرات؟».
وفي الأيام الماضية، ازداد الوضع في عدن فوضى وانفلاتاً، أفضيا آخر الأمر إلى هزيمة حقيقية أمام قوة التنظيمات المفترضة، وهو ما عكسته عودة بحاح وهادي إلى الرياض. ومما يشير إلى جدية تهديد تلك التنظيمات قيام الطائرات الحربية للتحالف بتحليق استطلاعي واستعراضي متكرر ومستمر في سماء المدينة ومحيطها خلال الأيام الأخيرة، في وقت لا يزال فيه مطار عدن الدولي في خورمكسر مغلقاً أمام الرحلات المدنية منذ مدة، وقد شددت «المقاومة الجنوبية» التابعة للحراك الجنوبي حراستها الخارجية حوله، ووسعت نطاق نقاطها بحيث أقفلت جزءاً من الطريق العام القريب من مدخله خشية تعرّضه لهجمات كهجمات 6 تشرين الاول الجاري (الهجمات على مقر إقامة بحاح في فندق القصر، التي تبنّاها «داعش»).
وقد علمت «الأخبار» بقيام عدد من أعضاء إحدى المجموعات المتطرفة بإنزال علم للإمارات كان مرفوعاً في موقع في رأس عمران إلى الغرب من عدن الصغرى (البريقة) رافعين علمهم الخاص. ويأتي ذلك عقب الهجمات على مقار الحكومة والقوات الإماراتية، وبعد مدة وجيزة من قيام مجموعات أخرى بالاستيلاء على معسكر «الجلاء» القريب من تلك النواحي، إثر مطالبة شبان غير مسلحين من «المقاومة الجنوبية» (كانوا يقيمون فيه بانتظار دمجهم في الجيش والأمن) قبل الاشتباك معهم ومن ثم إجلائهم عنه.
وفي هذا السياق، تقاوم تنظيمات «القاعدة» وأخواتها دمج شباب «المقاومة» في الجيش والأمن بشتى السبل، وتتوجس منه خطراً مستقبلياً ما، فضلاً عن كونها تعوِّل كما يبدو على أن تكون هي ملاذ أولئك الشبان ما داموا عاطلين من العمل وخارج إطار الاستيعاب الرسمي للدولة الغائبة التي لن يكون حضورها الجدي في مصلحة هذه الجماعات بالطبع. وفي زنجبار، عاصمة محافظة أبين المجاورة، سيطر «القاعدة» على المقر الأسبق للحزب الاشتراكي اليمني ــ المستولى عليه منذ ما بعد حرب 1994 من قبل أحد الشيوخ النافذين الذي كان وثيق الصلة بنظام صنعاء ــ وقامت برفع علمها عليه.
إلى ذلك، لوحظ قيام عناصر من الجماعات المتشددة بدعوة أهالي بعض المناطق والأحياء إلى عدم الاستماع إلى الأغاني و«الملهيات»، وبمطالبة مدارس خاصة وكليات جامعية في عدن بالفصل بين الجنسين من طلابها منذ الإعلان عن تدشين العام الدراسي شكلياً في ظل الحرب، فضلاً عمّا يقدمون عليه أحياناً من حالات اعتراض ــ لا تزال محدودة ــ في المتنزهات والأماكن العامة لفتيات غير مرتديات البرقع وتحذيرهن من «الإصرار على السفور»، وكذلك لمنع الرفقة بين الجنسين.