علاقة الناس بنظامهم السياسي وطبيعة وحجم توقعاتهم منه ومن شخوصه وطبيعة ردود أفعالهم على سياساته، وفي الاتجاه الآخر علاقة النظام بالناس ونظرته إليهم وتعامله معهم وكيفية مخاطبتهم، هي علاقة محكومة بجزء كبير منها بالثقافة، التي تسمى في حقل علم السياسة «الثقافة السياسية».


مضمون وسمات هذه الثقافة السياسية المسمّاة أيضاً «البنى الفوقية»، تتكون وتتشكل من مصادر كثيرة، أهمها الثقافة المجتمعية والتربوية المسماة بدورها «البنى التحتية»، أي إن البنى الفوقية هي إلى حدّ ما انعكاس ومتأثرة بالبنى التحتية.
هناك مصدر آخر يشكل الثقافة السياسية، هو تكرار وفرض ممارسات ومفردات معينة حتى تتحول مع الوقت إلى عادة متعارف عليها ومقبولة ضمناً، أكانت إيجابية أم سلبية. فمثلاً، نجد الزعيم العربي، غالباً، يخاطب الشعب بصيغة «أبنائي» كانعكاس للنظام المجتمعي البطريركي الأبوي، الذي تعيشه مجتمعاتنا. ثم نجد على صعيد تكرار الممارسات أن تكرار خيبتنا من اجتماعات جامعة الدول العربية أمام كل قضية وطنية أو قومية، مثلاً، جعلنا حالياً لا نستغرب أي سلوك أو خنوع من هذه الجامعة، بل سنسكت عليها لأننا تعودنا. هذا هو السكوت الذي تحول ضمنياً ليبدو كأنه قبول.
فعلياً، فإن الثقافة السياسية هي إطار نظري مهم يمكننا استخدامه ــ الفلسطينيين ــ اليوم لفهم مسألتين مركزيتين هما: أولاً الجدل الذي يدور حول الانتفاضة الحالية، على صعيد قبولها أو رفضها، أو على صعيد وسائلها، وثانياً مضمون وسقف التوقعات من السلطة الفلسطينية تجاه هذه الانتفاضة.
الجدل حول جدوى الانتفاضة ووسائلها لا يعبّر عن مجرد اختلاف مواقف سياسية نابع من اختلاف في تقدير الظروف العامة والمحيطة، بل هو تعبير أيضاً عن اختراق الواقع الذي أفرزته السنوات الماضية لثقافتنا الوطنية، ونتيجة تكرار ممارسات وخطاب سياسي معين تسرب شيئاً فشيئاً حتى بات يشكل لجزء كبير من الناس «ثقافتهم السياسية البديلة» من الثقافة السياسية قبل 30 عاماً، مثلاً.
ربما أحد يسأل: ما هو الفرق بين تحديد المواقف السياسية واختلافها، وبين اختلافنا في ثقافتنا السياسية بحد ذاتها؟ الفرق هنا يكمن في أن الثقافة السياسية غالباً تكون هي الأرضية والمرجعية التي تحدد طبيعة رؤيتك إلى واقعك السياسي، وتحديد موقفك منه، وتحديد الممكن والمستحيل في التعامل معه. بمعنى آخر، فإن الثقافة السياسية هي ما يحدد فهمك الواقع وطريقة وأدوات تعاملك معه؛ فإذا كانت، على سبيل المثال، عناصر ثقافتك هذه تقليدية وغير ديموقراطية، فستدفعك لترى توفير منحة علاج لابنك من حكومتك على أنه مكرمة. لهذا لا أحد فينا يستغرب إعلانات التهنئة التي تنشر في الصحف العربية والفلسطينية يومياً شكراً لمسؤول هنا ووزير هناك، مع أن هذا واجب الحكومة بفعل القانون.
في مثال آخر، إذا كانت ثقافتك السياسية (البنى الفوقية) قد تشكلت كانعكاس لواقع اجتماعي اقتصادي ــ البنى التحتية ــ مدني غير ثوري، فإنك سترى واقعك السياسي وتحدد موقفك منه من منظور غير ثوري أيضاً، وستسيطر عليك واقعية قاتلة تجعلك ترى في كل ممكن مستحيلاً.
والبنى الثقافية السياسية للفلسطينيين اليوم بالمجمل هي، إذا جاز لنا أن نسميها، «ثقافة سياسية مدنية ــ غير ثورية». لو قارنا الواقع الفلسطيني اليوم بالواقع الذي أعقب سنوات النكبة، لوجدنا الماضي أصعب ألف مرة من الحاضر، ما يعني بلغة وثقافة اليوم أن إمكانية تشكل ثورة في أعقاب النكبة مسألة «غير واقعية». ولكن ما الذي جعل ولادة ثورة من رحم النكبة ممكنة وواقعية؟
الجواب يكمن في أن الفلسطيني لم يكن لديه ما يخسره آنذاك، أي لم يكن يملك شيئاً، وذلك كان كفيلاً بخلق ثقافة ثورية دفعت اللاجئ إلى أن يتفوق ويثور على نفسه أولاً، ثم على نكبته. وبدلاً من خطاب «الواقعية» السائد اليوم، ساد ذلك الوقت خطاب آخر قائم على مبدأ أن «الثورة وجدت لتحقيق المستحيل، وليس لتحصيل الممكن».
وبالمناسبة، الثقافة السياسية عموماً ليست مفاهيم مجردة، بل هي سلوك وممارسات ونمط حياة وأسلوب خطاب؛ ففي الماضي الثوري كان القائد الفلسطيني يلبس البدلة العسكرية ويحمل مسدساً على جنبه باستمرار، ويستخدم كلمات خاصة آتية من قاموس الثورة، بل يتحدث بطريقة خطابية، وكلها رموز تعبّر عن مضمون الثقافة التي يحملها وتحركه وتحدد رؤيته إلى الأمور، وهي على عكس القائد اليوم صاحب البدلة وربطة العنق، أكان من اليمين أم اليسار، ويتحدث بلغة مدنية مؤنسنة قليلة، أو معدومة الدسم الثوري.
إذاً، الثقافة السياسية الجديدة التي تشكلت في آخر عقدين كانعكاس للواقع الاقتصادي الاجتماعي الجديد أيضاً، هي الإطار والمرجعية التي نرى منها الممكن والمستحيل اليوم، وهي التي تحدد مواقف قطاع كبير من الناس تجاه الانتفاضة الحالية. من جهة أخرى، هي التي تحدد توقعاتنا من السلطة وقادتها. فبالأمس مثلاً، في أعقاب خطاب محمود عباس، لاحظت مواقف كثيرة تعتبر هذا الخطاب مختلفاً عن خطابات سابقة، ويعبّر عن تحول في مواقف عباس وتجاوب مع حالة الشارع، وهي مواقف صدرت حتى عن أشخاص لديهم مواقف نقدية من السلطة.
فما هو المختلف في خطابه الأخير وفق هؤلاء الأشخاص مثلاً؟ إنه لم يعارض الانتفاضة ولم يدع إلى وقفها.


ثمة من صار إنساناً «مدنياً» غير مهيّأ ولا يصلح للعودة إلى «صفر الثورة»
ومع أنه أعلن تمسكه بخيار «السلام»، فإنه قال إنه سيحاسب إسرائيل على ما تفعله في المحكمة الدولية. «فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون»، يصبح ذلك هو سقف توقعنا من زعيم شعب يقتل وحيداً منذ أسبوعين. أن يسمح لنا رئيسنا بأن نواجه الموت يصبح ذلك مكرمة، بينما هذه الثقافة السياسية المدنية تحجب عنك أسئلة من قبيل: أين كنت منذ أسبوعين؟ أين هو الأمن الذي تصرف عليه 30 في المئة من موازنة السلطة، وهو غير قادر على حماية طفل متوجه إلى مدرسته؟ لماذا وصلنا إلى هنا؟ أليست هذه نتائج سياسة كنت ــ أنت ــ من أهم المنظرين لها؟ لماذا لم تتوجه إلى أسر الشهداء شخصياً أو ترسل من ينوب عنك ليعزيها ويقف جانبها؟ وماذا إذا استمر القتل بحقنا ووسائلك الدبلوماسية أخفقت للمرة العاشرة؟
في الحقيقة، إن هذه الأسئلة وغيرها لا تكون غائبة فعلاً عمّن يرى في هذه الانتفاضة جنوناً وعملاً غير واقعي، ولكن صاحب الثقافة السياسية الجديدة يرفض طرحها على نفسه لأنه يرفض هدم الاستقرار الذي اعتاده. بكلمات أخرى: صار إنساناً «مدنياً» غير مهيّأ ولا يصلح للعودة إلى «صفر الثورة». الثورة صارت بالنسبة إليه من الماضي، ورغبته في الاستقرار ورفض العودة إلى «شقاء الثورة» يجعلانه يرى خطاب عباس تحولاً كبيراً وربما «ثورياً»، في حين أن انتفاضة هؤلاء الشباب «جنون» يفتقر إلى الواقعية.
في النهاية، علينا القول إنه من حسن حظ وقدر الشعوب التي تعيش تحت احتلال، وحتى المجتمعات المستقلة التي تكون قد تكلست حياتها وأنماط معيشتها، أن هناك شباباً صغيراً ثورياً بالفطرة ومجنوناً جنوناً جميلاً بالطبيعة لا يجد نفسه منتمياً أو مرتاحاً في ظل ثقافة سياسية أو حتى اجتماعية غير ثورية، فيركب المستحيل بمتعة تفوق متعة الكبار في مخدع واقعيتهم. هم عبر التاريخ محرك التغيير... فبارِك لفلسطين بصغارها ومجانينها.