كانت سفيرة البحرين في واشنطن عام 2010، اليهودية هدى عزرا نونو، عرّابة اللقاء الذي كان يُفترض أن يبقى سرياً، وجمع وزير الخارجية، خالد بن أحمد آل خليفة، بأعضاء بارزين في منظمة «آيباك»، و«اللجنة اليهودية الأميركية»، ومنظمة «بني بريت» التي أقامتها الحركة الصهيونية في 1843، ومندوب عن «اللجنة الأميركية اليهودية لمكافحة التشهير»، وشخصيات صهيونية ذات نفوذ كبير فى الولايات المتحدة الأميركية، وذلك في مقر حركة «حباد» الدينية اليهودية.


لكن وسائل الإعلام العِبْرية فضحت هذا اللقاء، متبجّحة بتصريحات خليفة الذي قال إن «على الجميع أن يدركوا أن إسرائيل لها وجود تاريخي في منطقة الشرق الأوسط، وإنها (باقية) للأبد. وحينما يدرك الآخرون تلك الحقائق، فسيكون من السهل التوصل إلى السلام بين دول المنطقة وإسرائيل».
المعارض البحريني المعتقل، إبراهيم شريف، وصف هذا اللقاء آنذاك «بالمغازلة للوبي الصهيوني، ومحاولة للتطبيع التدريجي مع إسرائيل». ويبدو أن بذرة «المغازلة» كانت في تشرين الأول 2007، حينما التقى خالد بن أحمد نظيرته، وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان اللقاء فاتحة لعلاقة باتت وطيدة مع إسرائيل، علماً بأن خليفة ردّ بشدّة على منتقدي لقائه بليفني.


ما كان يجري في السر
قديماً، أصبح اليوم أمراً معلناً و«اعتيادياً»



وعلى منوال وزير الخارجية، وفي مقالة في صحيفة «واشنطن بوست» بتاريخ 16 تموز 2009، رأى ولي العهد البحريني، سلمان بن حمد آل خليفة، أنه «يجب على العرب التحدث مع الإسرائيليين» (كان ذلك عنوان المقالة)، ما دفع وسائل الإعلام العِبْرية إلى تصنيف البحرين «كمرشحٍ قوي للتحرّك نحو التطبيع مع تل أبيب».
وسبق هذه الدعوة حوارٌ بين سلمان ووزير خارجية العدو، سيلفان شالوم، عُقد في حزيران 2003، على هامش المنتدى الاقتصادي في الأردن. وسادت اللقاء «أجواءٌ حميمة»، وفق صحيفة «يديعوت أحرنوت» التي أشارت إلى أن الاثنين كرّسا حيّزاً كبيراً من اللقاء بينهما للتحدث حول أوضاع الجالية اليهودية في البحرين، وأن شالوم طلب فتح مكتب للمصالح «الإسرائيلية» هناك، وتبادل الزيارات بين البلدين، بعدما وعده ولي العهد بالعمل على تحسين العلاقات الثنائية، بل زيارة إسرائيل، بعد إحراز تقدّم على «خريطة الطريق»... وذلك في حين عنونت الصحف البحرينية صفحاتها الأولى: «قلنا لا لشالوم»!
أثارت هذه التسريبات حينذاك غضباً شعبياً، وغضب النخب البرلمانية، ولم يُعر رموز نظام الحكم اهتماماً بردود الفعل لدى المجتمع البحريني. وما كان يجري في السر قديماً، أصبح اليوم أمراً معلناً و«اعتيادياً»، ولا سيّما بعد اندلاع ثورة 14 شباط 2011، وسحق الجيش البحريني الاحتجاجات الشعبية في المنامة، منتصف آذار 2011، مدعوماً بالقوات الخليجية.
ثمة لقاءات موثقة للقاءات في نيويورك، جمعت ملك البحرين بحاخامات إسرائيليين، وكبار شخصيات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بل شهد الأسبوع الأخير من أيلول الماضي اتفاقاً معلناً بين الوفد الحكومي الممثل للنظام البحريني وأحد أقدم المعابد اليهودية في واشنطن (Sixth and I Historic Synagogue)، لإجراء «تبادلٍ للخبرات» والوفود.
وكشف مصدر مطلع على أجواء الاتفاق المذكور عن اتفاقٍ سريٍ جرى بالتوازي بين البحرين وشركة علاقاتٍ عامةٍ تربطها خيوط بـ«الموساد الإسرائيلي»، من أجل تلميع صورة النظام البحريني الذي «لا يرى في صداقته مع الكيان صهيوني عيباً، ما دام سيبقيه حياً».

فيروز: النظام البحريني يتعامل مع «الموساد»

في هذا السياق، يكشف النائب المستقيل من كتلة «الوفاق» المعارضة، جلال فيروز، أن بيتسي ماثيسون، أو كما تسمّي نفسها «بيتسي عبد الرحمن»، وهي الأمين العام لاتحاد الجاليات الأجنبية في البحرين، أعلنت أن وفداً من 200 شخص من البحرين التقى في 23 أيلول الماضي رئيس «معهد الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط ــ ميمري، ومنسق الجيش الحر»، وهو ضابط «موساد» اسمه إيغال كارمون.
وفق فيروز، اتفق الوفد وكارمون على عملٍ مشتركٍ «من أجل البحرين والشرق الأوسط. كذلك فإن أحد أعضاء مجلس المستشارين للمعهد المذكور هو إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، الذي شغل منصب وزير الدفاع بين عامَي 2007 و2013». ويتساءل فيروز عن مصدر تمويل رحلة الوفد، التي هدفت إلى تلميع صورة النظام البحريني، في ظل ما تعانيه البلاد من أزمةٍ اقتصادية. ويضيف أن هذا المعهد يعمل على تلميع صورة «إسرائيل» التي تقتل الفلسطينيين العُزّل، وأن أحد مسؤوليه هو مستشار سابق لنائب الرئيس الأميركي السابق، ديك تشيني، الصهيوني ديفيد وارمرز، متابعاً أن النظام البحريني بات يتعلق «بقشةٍ صهيونية لإنقاذه من الغرق».
وسبق أن سُرّبت معلومات حول فتح مكتبٍ سريّ للمصالح الإسرائيلية في البحرين عام 2003، وذلك في أحد برجي «مرفأ البحرين المالي».
ويتحدث فيروز عن رفض الديوان الملكي مقترح قانون لمكافحة كل أشكال التطبيع مع إسرائيل، تقدم به إلى البرلمان البحريني عام 2008. ويروي فيروز أن مقترحه حظي بإجماعٍ أعضاء البرلمان، «بمن فيهم نواب الموالاة»، لكن الديوان الملكي أسقطه في 2009، ورفضت الحكومة، في العام نفسه، مقترحاً لإعادة العمل بـ«مكتب مقاطعة إسرائيل».

عبارة «العدو الصهيوني» تختفي من القاموس

يلاحظ الرئيس السابق لـ«الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني»، إبراهيم كمال الدين، أن كلمة «العدو الصهيوني» تختفي من قاموسنا، ولا سيّما في الإعلام العربي، كما تختفي كلمة «فلسطين المحتلة»، لتحل مكانها «دولة إسرائيل»، وتحل عبارة «الشرق الأوسط» بديلاً من «المشرق العربي». ويلفت كمال الدين إلى أن العدو «يحوّل بوصلة العداء له إلى أعداء وهميين»، ما يسمح له، بالتوازي مع إعلان التطبيع مع دول الخليج، بالتمادي في عدوانه على الأمة العربية، وانتهاك حرمة المسجد الأقصى، في ظل صمتٍ عربي رسمي.
وما يزيد المرارة، وفق كمال الدين، أن السفارات الفلسطينية في البحرين وقطر والإمارات لا تزال تُعدّ برامج سياحية إلى الأرض المحتلة، بذريعة «الحج إلى أولى القبلتين»، وبذريعة «دعم صمود» الأهالي في الأراضي المحتلة.
العلاقة بين نظام آل خليفة والصهاينة واضحة في اللقاءات المباشرة بين ملك البحرين وقياداتٍ في إسرائيل. يقول القيادي في التنظيم الميداني وائتلاف 14 فبراير، ضياء البحراني، إن «نظام آل خليفة لا يزال يخفي الكثير حول حقيقة علاقته بالصهاينة، خشية من ردود الفعل الشعبيّة». ويلفت إلى أن هذا النظام استعان بتجارب الصهاينة في مجال تغيير التركيبة الديموغرافية، وذلك منذ عام 2000، ما يعكس التناغم بين أفكار الصهاينة في مواجهة الشعب الفلسطيني، وأفكار النظام في مواجهة الشعب البحريني، بسنّته وشيعته، فضلاً عن منح الجنسية «للدخلاء»، مقابل إسقاطها عن المواطنين الأصليين.
ويرى البحراني أن النظام يسعى إلى تثبيت حكمه المتهاوي بالارتماء في أحضان الصهاينة، سعياً إلى كسب التأييد الأميركي والبريطاني. وتُترجم هذه الرؤية بربط صورة ملك البحرين بعلم إسرائيل في مختلف الفعاليات الميدانية في البلاد، وحرق الصورة ودوسها بالأقدام، تعبيراً عن الرفض الشعبي القاطع لأي مستوى من التطبيع مع الصهاينة المجرمين، وفق البحراني.




ملايين الدولارات لتلميع صورة النظام البحريني

أنفقت البحرين، منذ بدايات الثورة، أكثر من 35 مليون دولار، لحساب شركات العلاقات العامة العاملة على تلميع «الصورة الوحشية» للنظام، وفق الناشط الحقوقي البحريني علي عبد الإمام، الذي استنكر «ارتزاق» هذه الشركات وتزييفها الحقائق، وتجميل صورة أنظمة ديكتاتورية ورجعية «تمارس التمييز والتهميش والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان بصورةٍ منهجيةٍ».
يشار إلى أن قوات الأمن البحرينية، بمؤازرة من القوات الخليجية، ارتكبت جرائمها بحق المطالبين بالتحول الديموقراطي تحت غطاء سياسي بريطاني، مستفيدة من ازدواجية معايير الإدارة الأميركية، وصمت «المجتمع الدولي».
وواجه النظام البحريني، على مدى السنوات الأربع الماضية، عشرات الإدانات والتوصيات من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وحملة انتقاداتٍ واسعةٍ من المنظمات الحقوقية الدولية، بسبب انتهاكاته الواسعة.
وبدلاً من الاعتراف بارتكاباته، وتنفيذ توصيات لجنة التحقيق المستقلة لتقصّي الحقائق ومجلس حقوق الإنسان، ذهب النظام البحريني إلى المراوغة وجملة إجراءاتٍ تجميلية، عبر حملة علاقاتٍ عامة بعنوان «هذه هي البحرين»، نفذتها شركاتٍ أميركية وأوروبية، لقاء ملايين الدولارات، لتقدم البحرين على أنها «نموذج نوعي للتعايش بين المذاهب والأديان».