استمرت تداعيات تبنّي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لتقرير غولدستون في التفاعل إسرائيلياً، حيث برز إجماع سياسي وشعبي على التنديد بهذا القرار، وإصرار على شنّ حملة دبلوماسية وإعلامية ضد التقرير، مع الاستعداد لمواجهة أسوأ السيناريوهات


■ نتنياهو يتوعّد كل من أيّد «غولدستون»



مهدي السيّد
توعّد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أمس، «بنزع الشرعية» عن كل من أيّد تبنّي مجلس حقوق الإنسان في جنيف تقرير غولدستون.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن نتنياهو قوله، خلال مداولات عقدها في أعقاب تبنّي تقرير غولدستون، إنه «سنعمل على نزع الشرعية عن كل من نزع الشرعية عن دولة إسرائيل، ولن نتساهل، وسنعمل ضد كل حالة على حدة»، في إشارة إلى الدول والهيئات التي أيّدت تبنّي التقرير.
ودعا نتنياهو إلى «عدم التراخي والوقوف بصمت، لأن ثمة مجتمعات متعقّلة في العالم قد تصدّق الادّعاءات الموجهة إلينا». وقال «يتعيّن على إسرائيل أن تجنّد إلى جانبها نواة صلبة من دول تشارك إسرائيل القيم ذاتها، وتحشدها من وراء ادّعاءات إسرائيل المحقة». وقدّر أن «الحديث يدور عن صراع مرير سيستمر إلى أمد طويل». وطالب المسؤولين في مكتب رئيس الوزراء ووزارة الخارجية بالاستعداد لخوض هذا الصراع.
وهاجم عدد من الوزراء الإسرائيليين قرار مجلس حقوق الإنسان. ووصف وزير المال يوفال شطاينيتس تبنّي التقرير بأنه «محاولة معادية للسامية لمنع إسرائيل من القيام بما هو مسموح للولايات المتحدة القيام به في أفغانستان ولروسيا في الشيشان ولتركيا في شمال العراق». وشدد على أن «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها».
بدوره، قال وزير الداخلية، رئيس حزب «شاس»، إيلي يشاي، إنه «لا يمكن الاستمرار في المفاوضات فيما تُطلق الصواريخ على إسرائيل».
وهاجمت وزيرة الثقافة والرياضة ليمور ليفنات، رئيسة حزب «كديما» تسيبي ليفني. وقالت «أتوقع أن تهاتف ليفني زعماء في أنحاء العالم وأن تتجنّد من أجل دولة إسرائيل مثلما تجنّد بنيامين نتنياهو (كرئيس للمعارضة) خلال عملية الرصاص المصهور للمجهود الإعلامي في العالم كله، لكن ليفني لم تفعل ذلك لأسفي».
وعلى المستوى الشعبي، ظهر تأييد شبه مطلق لموقف الحكومة الإسرائيلية المندد بتقرير غولدستون، حيث تبيّن من استطلاع للرأي نُشرت نتائجه في موقع «يديعوت أحرونوت» أن 61 في المئة من اليهود في إسرائيل يعتقدون أنهم يعرفون ما هي الخلاصة الرئيسية من التقرير. وأجاب 93,5 من هؤلاء اليهود بأن التقرير يميل ضد الجيش الإسرائيلي، فيما أكد 79 في المئة منهم أنهم يعارضون اتهام التقرير للجيش الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب.
ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية تعوّل في حملتها الإعلامية والدبلوماسية على دعم «الدول الصديقة» لإسرائيل. وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن «مسؤولين سياسيين إسرائيليين يرجّحون أن تمارس دول صديقة، وفي مقدّمها الولايات المتحدة، ضغوطاً على إسرائيل من أجل تأليف لجنة مستقلة للتحقيق في الحملة العسكرية على قطاع غزة، وذلك من أجل وقف النزعات المعادية لإسرائيل في الأمم المتحدة».
وأضافت الصحيفة أن نتنياهو لا يستبعد إقامة لجنة تحقيق، لكنه يحتفظ بهذا الخيار ورقة أخيرة يستخدمها في الوقت المناسب. كذلك تشير إلى أن عدداً من مساعديه يؤيّدون هذا الخيار، كما يؤيّده وزير شؤون الاستخبارات دان مريدور.
وتعليقاً على إحالة تقرير غولدستون على مجلس الأمن، قال الدكتور روبي سيبل، الخبير في القانون الدولي من الجامعة العبرية، لصحيفة «هآرتس»، إن هذا المجلس «غير ملزم بالعمل وفقاً لطلب مجلس حقوق الإنسان في إصدار الأمر لإسرائيل للشروع في تحقيق في حملة «الرصاص المصهور» وتبليغ المجلس باستنتاجاته، في غضون ستة أشهر».
وحسب سيبل، في السيناريو الأسوأ لإسرائيل، الذي هو أقل معقولية، يدعوها مجلس الأمن إلى تأليف لجنة تحقيق يتعيّن على الدولة العبرية أن ترفع نتائجها إلى المجلس. ويشدد على أن الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث سيبحث تقرير غولدستون، «ليس لها صلاحيات فرض، وعلى أي حال كل دعوة إليها هي عديمة المعنى العملي».
ويضيف سبيل أن أحد السيناريوهات السيّئة، لكن غير المعقولة من وجهة نظره، أن «يتخذ مجلس الأمن قراراً بأن على إسرائيل أن تؤلّف لجنة تحقيق، والولايات المتحدة لا تفرض حق الفيتو على القرار». سيناريو أسوأ من ذلك، وهو غير معقول أيضاً في رأيه، هو أنه «إذا لم تؤلّف إسرائيل لجنة تحقيق، رغم القرار، فسينقل مجلس الأمن القضية إلى المدّعي العام في لاهاي للاستيضاح عمّا إذا كانت هناك جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية من جانب إسرائيل، وإذا تبيّن ذلك فسيُقدَّم الضباط الإسرائيليون إلى المحاكمة».

■ السلطة تؤلف لجنة لمتابعة تنفيذ التوصيات



في مسعى للتغطية على فضيحة إرجاء التصويت على تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان، سارعت السلطة، فور تبنيه في جلسة الجمعة الماضية، إلى إعلان نيتها تأليف لجنة قانونية لتنفيذ توصياته
أعلنت السلطة الفلسطينة، أول من أمس، أنها بدأت اتصالاتها لتأليف لجنة حقوقية متخصصة لمتابعة تنفيذ تقرير غولدستون لدى المحاكم الدولية، بعدما صُوِّت عليه في مجلس حقوق الإنسان.
وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عبد ربه، في مؤتمر صحافي في رام الله أول من أمس، إن «القيادة الفلسطينية ممثلة بالرئيس محمود عباس والحكومة الفلسطينية برئيسها سلام فياض وكل الهيئات الفلسطينية بدأت دراسة تأليف لجنة متخصصة لتنفيذ تقرير غولدستون». وأوضح أن السلطة تعتمد «على دور هذه اللجنة وفعاليتها وأدائها لما هو مطلوب منها لئلا يصبح تقرير غولدستون كغيره من التقارير والقرارات الدولية شيئاً من النسيان»، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك أيضاً «ضمان متابعة منهجية ومتواصلة لكل الملفات التي تتصل بجرائم الحرب وانتهاك القانون الدولي، والجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بحق الإنسانية في حربها على القطاع».
ولفت عبد ربه إلى أن «هذه اللجنة ستتكون من ممثلين عن منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، على المستوى الفلسطيني والمستوى العربي والدولي»، «وستكون فيها شخصيات حقوقية مهنية فلسطينية وعربية ودولية لتتابع مع كل الهيئات الدولية تنفيذ التقرير».
وعن الانتقادات التي تعرضت لها السلطة على خلفية اتهامها بالتواطؤ لتأجيل مناقشة التقرير، قال عبد ربه: «نحن في القيادة الفلسطينية نرى أنه، من خلال الوصول إلى إقرار تقرير غولدستون، بدأنا يوماً جديداً ومرحلة جديدة، وسنغض النظر عن كل الشتائم التي لحقت بنا من منطلق أننا الوعاء الأكبر الذي يستوعب الأوعية الأصغر».
وجاء إعلان تأليف اللجنة، بعدما أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الجمعة الماضي أن السلطة الفلسطينية ستستمر في متابعة تنفيذ آليات القرار. وأشار إلى أن «التصويت لمصلحة التقرير جاء نتيجة للجهود الجبارة التي بذلتها السلطة الوطنية منذ تأليف لجنة تقصي الحقائق وإلى غاية التصويت على تبني التقرير».
إلى ذلك، رأى مصدر مسؤول في حركة «حماس»، في بيان وزع في دمشق، أن تصويت معظم أعضاء مجلس حقوق الإنسان لمصلحة «تقرير غولدستون» انتصار «لدماء شعبنا الفلسطيني». وأضاف أنّ «في إعادة طرح التقرير على مجلس حقوق الإنسان، ثمرة وإنجازاً لشعبنا الفلسطيني، ولمن وقف معه من أمتنا العربية والإسلامية، وأحرار العالم»، ومنعاً لهروب «مجرمي الحرب الصهاينة من العدالة الدولية تحت مظلة التأجيل».
(أ ف ب، يو بي آي)

■ باريس ولندن تطالبان تل أبيب بـ«تحقيق شفّاف»وأعلنت دمشق أمس ترحيبها بتبني التقرير. وقال مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية إن بلاده «إذ تثني على مواقف الدول التي صوّتت إلى جانب القرار، فإنّها تعرب عن أسفها لتصويت بعض الدول ضده». وأضاف «إن ازدواجية المواقف لدى هذه الدول أمر يفقدها الصدقيّة والموضوعية التي ينبغي أن توفّرها في التعامل مع ما تطرحه بخصوص قضايا حقوق الإنسان».
ورحّب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن العطية، في بيان له، بالتصديق على تقرير غولدستون. ورأى أن «جرائم» إسرائيل يجب ألّا تمر دون محاسبة، مشيراً إلى أن مجلس حقوق الإنسان «إنحاز إلى جانب الحق والعدالة».
أما باريس ولندن فقد طلبتا من إسرائيل، في رسالة وقّعها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون، ونشر مقتطفات منها قصر الإليزيه، من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إجراء «تحقيق مستقلّ وشفّاف حيال الأحداث التي وقعت في غزّة».
وأضاف ساركوزي وبراون «نحن واثقان بأن تقرير غولدستون هو مسألة حسّاسة بالنسبة إلى إسرائيل وإلى الفلسطينيّين». وأعربا عن أملهما في الالتفاف على الصعوبات التي سبّبتها نتائج تقرير غولدستون.
وكانت باريس قد رأت أن التصويت على القرار جاء «سابقاً لأوانه»، و«أعربت عن أسفها العميق» لعدم إخضاعه لـ«مناقشة حقيقية». وأوضحت وزارة الخارجية، في بيان لها، أن النص الذي عرض للتصويت الجمعة «خلط بطريقة غير مناسبة تقرير بعثة تقصي الحقائق ومسائل لا علاقة لها مباشرة بمهمة مجلس حقوق الإنسان أصلاً».
وفي سرد للأسباب، التي دعت الولايات المتحدة للاعتراض على القرار، قال السفير الأميركي في المجلس، دوغلاس غريفيثس، «لقد عملنا من أجل إصدار قرار يعترف بحق دولة في اتخاذ عمل مشروع لحماية مواطنيها في مواجهة تهديدات على أمنهم، وفي الوقت ذاته يدين انتهاكات القانون الدولي بغض النظر عن الفاعل». وأضاف «للأسف هذه ليست مواصفات القرار الذي أمامنا اليوم».
بدوره، قال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، أيان كيلي، «إن تصويتنا ضد التقرير لا يلغي قلقنا تجاه الأحداث المأساوية التي حصلت في كانون الثاني الماضي». وأضاف «نعتقد أن القرار كان غير متوازن. ونحن قلقون من أن ذلك سيؤدي إلى تدهور للأوضاع، وزيادة الانقسام». وتابع كان مطلوباً المزيد من الوقت لدراسة التقرير.
(يو بي آي، أ ف ب)