خرجت المعركة بين مجلس الرئاسة العراقي ورئيس الحكومة نوري المالكي إلى العلن. تتالت فصولها، وجديدها اقتراح رئاسي لدفن الحكومة قبل موتها، أي قبل الانتخابات


بغداد ــ زيد الزبيدي
ليست «قواعد السلوك الانتخابي» بدعة ابتكرها مجلس الرئاسة العراقي لإحراج حكومة نوري المالكي، أو «لإسقاطها» قبل أشهر قليلة من انتهاء ولايتها المختلف عليها، لأنّ المفروض أن تتحول الحكومة إلى مجلس «تصريف أعمال» فور الانتهاء من الانتخابات البرلمانية المقررة في 16/1/2010.
إلّا أنّ هيئة الرئاسة ارتأت تقديم موعد انتهاء الصلاحيات إلى موعد الانتهاء من «إقرار قانون الانتخابات»، لأن رئيس الحكومة أصبح «عائماً» وخارج إطار الكتلة التي جاءت به إلى منصبه، أي «الائتلاف العراقي الموحّد». وبات الرئيس ونائباه يرون أن المالكي أصبح زعيم كتلة برلمانية ضئيلة النفوذ (15 نائباً)، لكنها تسيطر على السلطات وعلى مجمل الأجهزة الأمنية، ما يعني إمكان تسخير أجهزة الدولة ومقدّراتها لمصلحة كتلته الانتخابية الجديدة، «ائتلاف دولة القانون».
وما يلاحظه عدد كبير من المراقبين أنّ هذا ما يحصل حالياً، لأنّ كل النشاطات والتجمعات التي ينظّمها رئيس الوزراء ومكتبه، باسم الحكومة وبنفقات الحكومة، هي منابر للدعاية الانتخابية لا أكثر، إضافة إلى تسخير الأجهزة الإعلامية وحملات الاعتقالات في مناطق معينة بهدف إعاقة الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم، ما يُعدّ انتهاكاً لـ«العملية السياسية» التي يتبناها المالكي وأتباعه.
واقترح مجلس الرئاسة أخيراً أن تشرف على الانتخابات، وعلى المفوضية العليا للانتخابات، لجنة تراقب «السلوك الانتخابي»، بداعي أنّ الحكومة ستكون منحازة إلى كتلتها. وبالفعل، أعلن النائب عن حزب «الفضيلة»، كريم اليعقوبي، تأليف لجنة من أجل إيجاد بديلين عن رئيس مجلس المفوضين في مفوضية الانتخابات فرج الحيدري، ورئيس الدائرة الانتخابية فيها قاسم العبودي، بعد سحب الثقة منهما.
غير أنّ هذه اللجنة «لن تكون مرسلة من السماء»، وإنما ستتألف من الكتل البرلمانية نفسها المدانة بالطائفية والقومية، وباتباع أسلوب المحاصصة، أي أنها ستساوم لمصلحة الكتل الكبيرة المهيمنة حالياً.
في المقابل، تتمسك الحكومة بالبقاء أطول فترة ممكنة، لأن أوراقها الانتخابية لا تزال ضعيفة جداً، وكانت تراهن على نجاحها في انتخابات مجالس المحافظات. بيد أن هذه المجالس المحلية سرعان ما فقدت «الهوية» التي دعت إليها كتلة المالكي، ثم دخلت في ائتلافات طائفية، ولم تستطع تحقيق أي من الوعود التي قطعتها، حتى إنها تجاهلت أبسطها، وهي المتعلقة باختيار الكفاءات. وما حصل في محافظة كربلاء نموذج لتجاهل الحائز أعلى الأصوات لمصلحة الأنانية الضيّقة. نموذج دفع كثيرين إلى القول إنه «لو كان لدى المالكي القليل من بعد النظر، لما فرّط بشخص مثل يوسف الحبوبي الحائز أصوات الكربلائيين من أجل التحالف مع كتل سرعان ما تخلّت عنه».
إضافة إلى ذلك، لم يعد المالكي قادراً على التشبث بالمنجزات الأمنية بعد تفجيرات «الأربعاء الدامي» في بغداد، التي يجمع المراقبون على أنها «صُنعت» لتثبت هشاشة الوضع الأمني الذي كان يتّكئ عليه، ما جعله يصبّ كل فشل حكومته على قوى خارجية، مع التركيز على سوريا.
وفي قراءة للواقع الانتخابي لقائمة المالكي، فهي تبدو مفتقرة إلى حد بعيد إلى الوجوه الليبرالية، وإلى رموز من الطائفة السنيّة، وخصوصاً بعد ابتعاد محمود المشهداني وأحمد الريشاوي «أبو ريشة» وعبد الغفور السامرائي عنه، لذلك فإنّ تجريد حكومته من صلاحية الإشراف على الانتخابات سيعني الفشل المحقَّق، لذا تتشبث «دولة القانون» بالبقاء أطول مدة ممكنة، وترى أنّ المقترح الرئاسي هو محاولة لـ«سرقة» عدة أشهر من عمرها.
وأعرب القيادي في حزب «الدعوة الإسلامية»، علي الأديب، عن ثقته بأن «مقترح حكومة تصريف الأعمال يتعارض مع الدستور، وهو بمثابة انقلاب على العملية الديموقراطية». وينص مشروع قواعد السلوك الانتخابي أيضاً على «تأليف هيئة مشتركة من الحكومة ورئاسة الجمهورية والبرلمان ومجلس القضاء الأعلى ومنظّمات المجتمع المدني، للإشراف على العملية الانتخابية، إلى جانب المفوّضية المستقلة للانتخابات في العراق»، الأمر الذي رآه الأديب «غير دستوري، على قاعدة أن المفوضية هي «الجهة الوحيدة المخوّلة بالإشراف على الانتخابات».