من أنبوب بين القاهرة والزهراني إلى وصلة بين حمص ودير عمار


محمد وهبة
تعود قصّة استجرار الغاز من مصر إلى ما قبل عام 1996، حين أُنشئ معملا دير عمار والزهراني ليعملا على المازوت وعلى الغاز، إذ يروي مطّلعون على تفاصيل الملف أنه لم يكن لدى الجهات الرسمية المعنيّة أي تصوّر عن تأمين الكميات اللازمة من الغاز لتشغيل المعملين بكلفة منخفضة.

الخطّ البحري المباشر

في عام 1998 بدأت تتضح الصورة، فعرضت قطر تزويد لبنان بالغاز المسال عبر البواخر، وبالتوازي مع ذلك، ظهرت فكرة، يرجّح أنها مصرية الأصل، تشير إلى إمكان تزويد لبنان بالغاز عبر أنبوب بحري بين القاهرة والزهراني مباشرة، على أن يستكمل الخط على الساحل اللبناني شمالاً باتجاه الساحل السوري وصولاً إلى تركيا، لتصدير الغاز المصري إلى أوروبا عبر وصله بأنبوب «نابوكو».
إلا أن تدخّل الأردن ومطالبته مصر بكميات من الغاز دفع الخط باتجاه الصحراء، فجرى تعديل المخطّط ليمرّ الخط في الأردن ثم سوريا باتجاه تركيا، ويستفيد منه لبنان بنقطتين، الأولى بين الشام والزهراني، والثانية بين حمص ودير عمار. وقد رتّب هذا الأمر خسارة على لبنان، إذ كان يفترض أن يستفيد من رسم عبور الغاز في الأراضي اللبنانية، ولم يكن عليه أعباء إضافية من جراء الأنبوب البحري بين القاهرة والزهراني مباشرةً، لكن الوضع بات معكوساً، وعلى لبنان تسديد رسم العبور لسوريا والأردن. لم تقتصر خسارة لبنان على رسم العبور، إذ إن توصيل الغاز إلى الزهراني ودير عمار، لم يكتمل، فلم تلزّم إلا وصلة حمص ـــــ دير عمار، ولم تُعرف أسباب عدم تلزيم وصلة الشام ـــــ الزهراني، لكن حصيلة ما يرويه المتابعون أن «كلفة إنشاء هذا الخط مرتفعة جداً بسبب مروره بمناطق جبليّة وصخريّة في لبنان وسوريا»!

خلاف سوري مصري

في عام 2003 لُزّم إنشاء وصلة دير عمار في الأراضي اللبنانية، وانتهى العمل بها بين 2005 و2006 بسبب مشكلة بين المتعهد «شركة حاوي» والدولة، جرى حلّها لاحقاً. ولم يبقَ إلا إنجاز الوصلة من الجانب السوري، ووصلة ثانية في سوريا تجعل الخط من مصر إلى لبنان حيّاً. علماً بأنه يغذّي إسرائيل والأردن وسوريا ولبنان، وطوله بين العريش وسوريا 1200 كيلومتر، ونفّذته شركة «ستروي ترانس غاز» المملوكة لشركة «غاز بروم» الروسية بكلفة 1.2 مليار دولار.
ويعدّ الأردن أكبر المستفيدين، إذ إن الغاز المصري يغطي 83% من مستلزمات إنتاج الكهرباء في الأردن، وفي شباط 2008 بدأت مصر تزويد إسرائيل بالغاز الطبيعي، في إطار اتفاقيّة لبيع 1.7 مليار متر مكعّب إلى الدولة العبريّة، خلال فترة تمتدّ 15 عاماً، ثم بدأ الضخّ التجريبي باتجاه سوريا في تموز 2008 متأخراً 4 أشهر عن الموعد المحدّد سابقاً.
وبما أن سوريا هي المعبر الطبيعي لهذا الغاز إلى لبنان، فإن أي خلاف بين سوريا ومصر كان لا بد أن يؤثّر سلباً في لبنان. وفي حينه كانت علاقة هذين البلدين متوترة، إذ حاولت أميركا أن تعوق الأمر فوضعت «فيتو» على أيّ اتفاق مع دمشق أدّى إلى تأخّر وصول البرنامج الإلكتروني اللازم لتشغيل الأنابيب، وذلك على الرغم من الجهوزية التقنيّة.

السنيورة على الخط أيضاً

وفي ظل الخلاف السياسي القائم في لبنان الذي تدخل فيه سوريا ومصر، لم يُنجز الاتفاق بسهولة. فبعد تأليف الحكومة في منتصف عام 2008، ذهب رئيس الحكومة، فؤاد السنيورة، في آب 2008، إلى مصر تحت عنوان «تزويد لبنان بالكهرباء والغاز»، لكن الأمر لم يُبحث، وكان العنوان مجرد واجهة لبرنامج سياسي للعلاقات اللبنانية المصرية. فالوزير المختص، أي ألان طابوريان لم يحضر الاجتماعات ولم يطّلع على فحواها، ولا سيما أن استجرار الطاقة كان مدرجاً على جدول أعمال اجتماع الدول الأربع المعنيّة بالموضوع في عمان بعد أيام.


يعدّ الأردن أكبر المستفيدين، إذ إن الغاز المصري يغطي 83 % من مستلزمات إنتاج الكهرباء
وبعد أسابيع قليلة، أي في أيلول 2008، تبلّغ طابوريان رسمياً من نظيره المصري، أن «أسباباً تقنية» تمنع وصول الغاز إلى دير عمار قبل مطلع 2009، وأن مصر لن تصدّر إلّا نصف الكمية التي التزمت بها، والبالغة 1.6 مليون متر مكعب يومياً، وهذه الكمية اللازمة لا تكفي إلا لتشغيل مجموعة واحدة من أصل مجموعتي دير عمار.
وبات على لبنان التعامل مع الأمر بطريقة مختلفة، فمن الواضح أن مصر كانت تفاوض على أسعار الغاز وعلى الوضع السياسي أيضاً، وبحسب مصادر مطلعة، كان الجانب المصري يؤخر إنجاز الاتفاق النهائي لاستجرار الغاز وتحديد الأسعار لأسباب غير واضحة، علماً بأن كميات الإنتاج المتفق على استيرادها تمثّل أقل من 1% من الإنتاج المصري، وفي المقابل أبرمت اتفاقاً مع إسرائيل لتأمين حاجاتها على المدى الطويل بأسعار بخسة تقلّ عن دولار واحد للمتر المكعب، فيما تبحث فرض أسعار على لبنان تراوح ما بين 5 دولارات و7.

الاتفاق

وفي كانون الثاني 2009، جرى الاتفاق على توصيل الغاز المصري إلى لبنان من خلال المبادلة مع الغاز السوري بمعدل ٣٠ مليون قدم٣ في اليوم، إلّا أن ما اتُّفق عليه بقي حبراً على ورق، فالمصريّون كانوا يربطون الأمر، ربطاً غير مباشر، بمفاوضات خط الكهرباء الثُّماني الذي يستجرّ الطاقة الكهربائية من مصر أيضاً، فيما لم تكن مصر وسوريا قد اتفقتا على كلفة عبور الغاز المصري في الأراضي السورية، فبدأ لبنان يبحث عن تزويده بالطاقة الكهربائية من الأردن، كبديل من الغاز المستورد إذا تعذّر الاتفاق على الأسعار مع مصر.
فجأةً، في حزيران ٢٠٠٩ جرى التوصل إلى اتفاق، ووقّع البلدان اتفاقية استجرار الغاز الطبيعي بمعدل 600 مليون متر مكعب سنوياً من مصر، ابتداءً من آب 2009 لتشغيل نصف معمل البداوي (26 مليون قدم مكعب) على أن تُزاد الكمية ابتداءً من تشرين الأول المقبل لتصبح كافية لتشغيل كامل معمل دير عمار (60 مليون قدم مكعب).
وسيُطبّق الاستجرار وفق اتفاقية المبادلة بين مصر وسوريا ولبنان، بسبب صعوبات مصريّة تقنيّة، إذ إن مصر تضخّ الكميات المتفق عليها إلى محطة جنوب الشام، فتضخّ سوريا كمية مماثلة في الوصلة بين حمص ودير عمار من حقول حمص.


15 مليون متر مكعب

في القدرة الاستيعابية لخط الغاز المصري يبلغ قطره بين مصر وحمص 36 إنشاً، فيما يبلغ 24 إنشاً بين حمص ولبنان، ولكن ذلك يكون إذا تمكّنت مصر من ضخّ كل الكميّة، التي لا يُتوقع أن تزيد على 10 ملايين متر مكعب.


مطلب القطاع الخاص أيضاً