عندما قرّر أحمد، 30 عاماً، مغادرة البلاد، لاجئاً إلى ألمانيا، أطلق وعداً لحبيبته بأنه سيتزوجها رسمياً، حالما تستقرّ أوضاعه في البلد الجديد، ومن ثمّ تسافر إليه. وهذا ما فعله بعد أشهر، عبر توكيله أحد أقاربه إتمام معاملة زواجه من هلا، 25 عاماً.


وبحسب المحامي، محمد ضاهر، فإنه «عادة ما يحصل المحامي على وكالة تتضمن تفويضا بالزواج من موكله المقيم خارج البلد، منظّمة لدى كاتب عدل، ومصدقة أصولاً من السفارة السورية، ومن الوزارة الخارجية لتلك البلد، فيقوم المحامي بتصديقها من الخارجية السورية، ومن العدلية، وتصبح سارية المفعول مدى الحياة، إلا إذا ورد عليها عزل، الذي يتمّ بالإجراءات والتصديقات نفسها، والحصول على الوكالة، وإتمام عقد القران، يأخذ من الوقت نحو 10 أيام، ويكلّف ما يقارب من 50 ألف ليرة سورية».
ولضمان زواجه من خطيبته، بعدما اضطر للهجرة بسبب الأوضاع المعيشية، قام مازن، 40 عاماً، قبل سفره إلى الجزائر، ومنها إلى فرنسا، بتنظيم وكالة عامّة لابن أخيه، تتضمّن تفويضات الزواج والطلاق، وهكذا تزوج من لانا، 30 عاماً، على الورق، بانتظار أوراق «لمّ الشمل» لتتمكن من اللحاق به إلى بلد المهجر. يشير المحامي ضاهر إلى أن «الوكيل قادر على تجهيز جميع الأوراق المطلوبة للزواج، بموجب الوكالة، من إخراج قيد، تقارير طبية، موافقة شعبة التجنيد، وموافقة البلدية». ويضيف في تصريحه لـ «الأخبار»: «قبل 4 سنوات كانت مثل هذه الوكالات نادرة الوجود، وحتى إنها لم تكن معروفة بين أوساط العامّة قبل موجة الهجرة الكبيرة، التي طاولت الشباب السوري في السنتين الأخيرتين».
دخلت الوكالة الخاصة بالزواج في مرحلة عمل جديدة لم يحسب لها حساب، فأصبحت باباً جديداً للتجارة والاستغلال في زمن الأزمة، فعبر شبكات التواصل الاجتماعي يتمّ الاتفاق على زيجات ورقية فقط، يستفيد منها الطرف الأوّل بالحصول على الهجرة، وفق مبدأ «لم الشمل»، والطرف الآخر يحصل على مبلغ من المال، ولا تكتمل هذه اللعبة دون الطرف الثالث، الذي يأخذ دور الوكيل والسمسار في آنٍ واحد.
لم تنتهِ الحكاية هنا، فعمليات النصب تتوسّع لتأخذ منحى آخر، حيث تمكنت إحدى السيدات من الحصول على وكالة عامّة، تتضمّن تفويضاً بالزواج والطلاق، من أحد الشباب المهاجرين، الذي ترك ثروةً لا بأس بها في سوريا، قبل فراره، واعدةً إياه بأن تزوجه فتاة «باربي بجمالها»، وبعدما حصلت الأولى على الوكالة، نقلت العديد من أملاكه إلى اسمها، وزوّجته فتاة مواصفاتها مخالفة لتلك التي كانت تصله صورها عبر الانترنت، وهما الآن في أخذ وردّ داخل أروقة المحاكم. يوضح المحكّم المحامي أحمد شلهوب أنّ «التوكيل، حتى الذي يتضمن تفويضاً بالزواج، يجوز أن يكون لذكر أو لأنثى». ويضيف: «هذا النوع من الوكالة سلاح ذو حدين، فهو من جهة يلبي حاجة الناس ويسهل أمورهم، ومن جهة أخرى يفتح باب الإساءة، من خلال استغلاله لكسب منفعة مادية أو إلحاق ضرر بشخص ما، لذلك يجب أن تتقيد الوكالة بتحديد فترة لإنهاء مفعولها، أو تكون التفويضات فيها محدّدة، بما يحقق للموكل ما يريد فقط دون أي استغلال».
ليس السفر فقط هو العنوان العريض لكلّ وكالة خاصّة بالزواج، حيث يمكن أن تتمّ تلك الوكالة داخل البلد، فتنظم في المحافظات، وترسل إلى المحكمة الشرعية بدمشق، نظراً لأن إجراءات الزواج أسهل، وخاصّة في ما يتعلّق بأوضاع العسكريين، وصعوبة التنقل بين المحافظات، ووفقاً لذلك وكّلت أميرة، 24 عاماً، أخاها، لتزويجها بابن عمها، لصعوبة التنقل بين درعا ودمشق. وشروط تنظيم الوكالة الداخلية، بحسب المحامي ضاهر، أن تكون «مختومة لدى كاتب العدل الموجود على رأس عمله، ومصدقة من المحامي العام الأوّل في المحافظة التي نظّمت فيها».


تحوّلت الوكالة الخاصّة بالزواج إلى باب جديد للتجارة والاستغلال


يشرح القاضي الشرعي الأول في محكمة دمشق، محمود المعراوي، الجانب القانوني في المسألة، فيقول لـ «الأخبار»: «أجاز قانون الأحوال الشخصية الوكالة في الزواج، حيث يجوز لكل من الزوج أو الزوجة أن يوكل أي شخص في تزويجه/ها، وهناك نوعان لتلك الوكالة، الأولى وكالة مقيّدة، أي يحدّد فيها اسم الزوج/ة، ومقدار المهر، أما الثانية، فوكالة مطلقة، حيث يترك للوكيل مهمة اختيار الزوج/ة، وتحديد المهر، وفي الثانية الحالات نادرة، أو تكون للأب أو الأخ فقط، ومع ذلك فإن التفويض بالزواج في الوكالة المطلقة يقيّده العرف، لأن هناك قاعدة بأن المعروف عرفاً، كالمشروط شرطاً».
ويبين القاضي أنه «لا إحصاءات رسمية تظهر عدد الوكالات التي تتضمن تفويضاً بالزواج، إلا أنه، ووفقاً للتعامل اليومي مع قضايا الزواج في المحكمة الشرعية بدمشق، فإن أكثر من 50% من عقود الزواج ومعاملاته ودعاواه تجري بموجب تلك الوكالات».
يعاني بعض السوريين، ممّن هم في دول لا يوجد فيها تمثيل دبلوماسي لسوريا، من صعوبة في تنظيم الوكالات، إذ تطلب الخارجية السورية التصديق من أقرب بلد تكون فيه سفارة سورية، وهذا يكلّف المواطن جهداً ومالاً قد يكونان أكبر من طاقته، ومن أجل ذلك، وفي تلك الحالة فقط، تقبل المحكمة الشرعية في دمشق الوكالة إذا كانت مصدّقة من وزارة خارجية ذلك البلد، دون الحاجة إلى تصديق السفارة. ويشير القاضي المعراوي إلى أنه «من النادر جداً أن يحصل تزوير بالوكالات، إلا من خلال انتحال الشخصية، وهو أمر صعب جدا، ومع ذلك ندقق جميع الحالات وندرسها جيداً قبل بتّها».
ومع تعمّق إفرازات الأزمة، لجهة شيوع حالات كثيرة من الزواج غير المثبّت، والأولاد غير المسجّلين (رصدت الهيئة السورية لشؤون الأسرة مثلاً نحو 10 آلاف حالة منها في محافظة واحدة) وقّعت وزارة العدل مذكرة تفاهم مع الهيئة، لإجراء التسهيلات اللازمة لتثبت الزواج وتسجيل الأولاد، بحيث سيجري التساهل في الوسائل، مع التدقيق على صحة الحالات، فأصبحت المحكمة الشرعية بدمشق «تقبل الوكالة غير المصدقة من الخارجية السورية، إذا كانت صادرة من بلد ليس فيه تمثيل دبلوماسي لسوريا، حرصاً على تسجيل الزواج ونسب الأولاد، وذلك بعد دراسة كل حالة على حدة، وتتحمّل المحكمة المسؤولية في ذلك، من أجل التخفيف من مفرزات الأزمة»، بحسب ما يؤكد القاضي المعراوي.