القمع والمزيد من القمع لا يلغيان الاحتجاجات الفلسطينية. هذه هي الحقيقة الميدانية الوحيدة حتى الآن، التي ثبتت في الأيام الماضية من عمر الهبّة الفلسطينية في الأراضي المحتلة. إلا أن استمرار الهبّة لا يعني أنها باتت بعيدة عن خطر احتوائها، إذ تعلّق تل أبيب الآمال على زيارة وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الذي أكد أمس وقوفه إلى جانب إسرائيل، محمّلاً الفلسطينيين مسؤولية التصعيد الأمني في الأراضي المحتلة.


وأعلنت تل أبيب، أمس، أنّ لقاءً سيجمع كيري برئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو في برلين، خلال زيارة الأخير المقررة لألمانيا الأسبوع المقبل. وبحسب وسائل الإعلام العبرية، صدر عن كيري موقف يشير إلى التوجهات الأميركية لاحتواء الاحتجاجات الفلسطينية، عبر تحميل الفلسطينيين مسؤولية التصعيد، إذ قال كيري لنتنياهو، كما أشارت القناة العاشرة العبرية أمس، إن للإسرائيليين الحق في الدفاع عن أنفسهم ضد العنف في البلدة القديمة وفي القدس وفي كل مكان، ويجب على الفلسطينيين وقف التحريض، وعلى (رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس) أبو مازن إدانة العنف بصوت عال وواضح.
ورغم هذا الموقف الفظّ من كيري تجاه الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية، إلا أنّ الآمال ما زالت منعقدة على زيارته للمنطقة، وتحديداً من ناحية إسرائيل، التي رجّحت أمس عقد لقاء يرعاه في الأيام القليلة المقبلة، في الأردن، يجمع نتنياهو بعباس بهدف «إعادة الأوضاع إلى نصابها».
صحيفة «هآرتس»، أشارت إلى أن عباس وعد كيري بتهدئة الأوضاع في الأراضي المحتلة، خلال اتصال هاتفي جرى بينهما. وأشارت إلى أن عباس طلب من كيري أيضاً «ضرورة أن يضمن الأميركيون التهدئة من الجانب الإسرائيلي في ما يتعلق بالمسجد الأقصى ومنع المستوطنين من التعرض للفلسطينيين، وهم في طريقهم إلى أعمالهم ومنازلهم». وإذا كانت السلطة تكتفي بهذه المطالب، فإنها ستجد آذاناً صاغية لدى الجانب الإسرائيلي، ضمن معادلة «تهدئة مقابل تهدئة»، والعودة إلى الوضع الذي كان قائماً في القدس، من دون أي مكاسب أو إنجازات فلسطينية.
في مقابل ذلك، أعلنت مصادر أمنية إسرائيلية أنّ الأجهزة الأمنية الفلسطينية اعتقلت خلال الأيام القليلة الماضية، عدداً من أفراد «الخلايا التخريبية» في مناطق الضفة الغربية، بما يشمل أيضاً منطقة الخليل. وأضافت المصادر في حديث للإذاعة العبرية أمس، أن أجهزة الأمن الفلسطينية تواصل عملها ضد نشطاء حماس والجهاد الإسلامي، مشيرة إلى أن «السواد الأعظم من الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية لا ينضم إلى المواجهات في نقاط الاحتكاك» مع الجيش الإسرائيلي.
ورغم الحملة الإسرائيلية و«سلة الإدانات» في تل أبيب للكلمة التي ألقاها عباس، التي حاول فيها التماشي مع الشارع الفلسطيني والعودة إلى سياق التهديدات بأفعال لا تبصر النور، أشار مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى لصحيفة «يديعوت أحرونوت» أمس، إلى أن «خطاب الأمة» الذي ألقاه عباس يعكس تناقضاً ظاهرياً، إذ إنه «يتضامن مع المتظاهرين، وفي الوقت نفسه يصدر تعليمات واضحة للأجهزة الأمنية الفلسطينية لكبح العنف». وأمس استبق السفير الأميركي لدى إسرائيل، دان شابيرو، زيارة كيري للمنطقة ومساعيه لإنهاء الحراك الفلسطيني في الأراضي المحتلة، مشيراً في مقابلة مع الإذاعة العبرية إلى أن الإدارة الأميركية ترحب بالتزام إسرائيل والأردن الحفاظ على «الوضع القائم» في المسجد الأقصى. وأضاف أن كيري يتواصل مع القادة الإسرائيليين والفلسطينيين، وأنه قد يصل إلى المنطقة خلال أيام للإسهام في تهدئة الأوضاع الأمنية.
وفي تراجع عن مواقف أميركية صدرت في اليومين الماضيين، أوضح شابيرو أن وزارة الخارجية الأميركية لم تتهم إسرائيل باستخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين، وهي تدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
ويشير تصريح شابيرو إلى وجهة الحل الذي ينوي كيري اعتماده لإنهاء الحراك الفلسطيني، وهي العودة إلى «الوضع القائم» في المسجد الأقصى، بموجب تفاهمات سابقة بين الأردن وإسرائيل، لا علاقة للسلطة الفلسطينية بها. وهذا الحل سيكون مقبولاً لدى إسرائيل، بل موضع ترحيب، خاصة أنها باتت تدرك أن محاولة التقسيم الزماني أو المكاني للأقصى، أكثر مما هو معمول به في اتفاق «الوضع القائم» مع السلطات الأردنية، سقطت هذه المرة، بانتظار ظروف أخرى قد تكون مواتية، للمحاولة من جديد.
إلى ذلك، أكد مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، رفض تل أبيب أي تغيير في الوضع القائم في القدس وفي المسجد الأقصى تحديداً، مكرراً موقف رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بالحفاظ على الوضع كما هو في الأقصى دون تغيير، قائلاً إنّ «إسرائيل لن توافق على نشر قوات دولية في جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، التي ستخلّ بالوضع القائم منذ عشرات السنين». وقال مصدر إسرائيلي رفيع لصحيفة «هآرتس»، إن «المطلوب في الوقت الحالي هو العمل على التهدئة وإنهاء التصعيد الأمني»، موضحاً أن «إسرائيل التي ستحافظ على الوضع القائم في المسجد الأقصى».