امشِ دون أن تتلفّت، لا تضع يديك في جيوب بنطالك، لا تحاول شدّ حزامك، ولا تثبت يديك على خاصرتيك. ابقهما طليقتين مرئيتين، وإن كنتِ فتاة؟ فلا تعبثي بحقيبتك والأفضل حاولي أن تستغني عنها. ففي شوارع القدس، أصبح المشي مدعاة للشك وبالتالي للقتل من قبل جنود الاحتلال، وإن حاولت أن تكون متحفظاً في مشيتك؟ فسيصرخ مستوطن من حولك مشيراً نحوك، مستغيثاً برجال الشرطة الإسرائيلية، وسيحرضهم على قتلك بتهمة أنك حاولت الاعتداء عليه أو النظر إليه بطريقة لا تعجبه. هذا تفصيل بسيط من صورة الإرهاب الإسرائيلي المتفاقم والذي يُطبخ ببهارات حارة.


فالطالبة الفلسطينية المقدسية، مرح بكير، ابنة الخمسة عشر عاماً، كانت تنتظر هي وصديقاتها على موقف الحافلات لدى مغادرتهن المدرسة، فأقدم مستوطن على التحرش والتنكيل بها، فلم تجد الشرطة الإسرائيلية بدّاً من إطلاق بضع رصاصات على جسد مرح! هكذا، أُصيبت مرح وبقيت ممددة على الأرض ريثما يأتي الإسعاف، في حين كانت عناصر الشرطة الإسرائيلية تدوخ حول الجسد الجريح ذعراً وقلقاً! نعم. هكذا أصبحت الحالة في القدس، نهيق مستوطنين واتهام بالطعن، ورصاصات الجند المعبأ في بيت النار بشكل دائم، إنه لمن الجدير أن يضاف هذا النوع من الخوف إلى قاموس الطب النفسي، فيكون: فوبيا الموت طعناً.
وامتدّ مسلسل الوسواس لدى مستوطني وشرطة القدس الصهيونية، إلى أطفال لم يقطفوا ثمار حياتهم بعد، ففي شارع بمستوطنة "بسغات زئيف" المقامة على أراضي قرية حزما المقدسية، وشرق مخيم شعفاط المقدسي، قتلت الشرطة الإسرائيلية الطفل حسن مناصرة (15 عاماً) نتيجة هذا الخطل النفسي الذي أصاب المستوطنين، وبعد إعدام حسن بلحظات، كانت نفس الفوبيا تحاول إعدام الطفل أحمد مناصرة، ابن عم حسن، كان أحمد ملقىً على ظهره، ويشعر ببرودة الدم تحت رأسه، وساقاه منفرجتان تحت فخذيه، استطاع أن يعدل وضعية ساقيه في خضم بكائه الدامي، كان يبكي ألماً وخوفاً طفولياً، وكأنه يقول: أريد أمي! الشارع الفسيح الذي يُصلب عليه، لم يزده إلا ضيقاً، تحولت رحابة الجغرافيا المكانية إلى قبضة تخنقه وتحفز نشيجه. ورغم مشهده المبكي إلا أن مستوطناً يختبئ خلف عدسة الكاميرا، لم يتردد بالصراخ على الفتى الجريح الملقى أمامه، كان يأمره بأن يموت، ويكرر دون تعب: "مت يا ابن الشر... مت..."، وكأن أوامر الحياة والموت بين يديه، كان المستوطن المختبئ ينادي هذا الملاك اليتيم بألفاظ في غاية القذاعة والانحلال الأخلاقي.
تجلت كل صور الانحطاط والهمجية عبر كل الحضارات في هذا المستوطن لوحده.
من شهداء فوبيا الطعن بالقدس إلى مأساة رهف حسان الغزية، تكتمل جنائزية المشهد على نحو فاضح لكل المعايير الإنسانية الزائفة. جثة الطفلة رهف ابنة الثلاثة أعوام، تنام في حضن والدها الجريح في الاعتداء ذاته الذي قتل أمها الحامل. كانت يدا حسان تمسد رأس ملاكه رهف مقبلاً وجنتيها الباردتين، متوسلاً إليها بنبرة يائسة أن تستيقظ "اصحي يابا ..اصحي يابا". حسان لم يكن يرى حينها إلا ابنته النائمة بين يديه وبجانبه، لم يشعر بأصوات عدسات الكاميرا، ولا بضجيج الذين يحيطون به، لكنه أفاق قليلاً عندما طلبوا منه أن يأخذوا رهف من حضنه إلى مثواها الأخير. نظر إليهم متوسلاً كمن يتحدث الى ملاك الموت "خلوها معاي... خلوها شوي". ثم يقبلها ويحضنها وهو يهمس كما لو كانت الصغيرة تنام "حبيبتي يابا".