كمصطلح فلسطيني محض، تُسمّى الانتفاضة من انتفاض الشعب وغَضبهِ ونزفهِ المستمر من أجل حريتهِ وحقهِ في بلادهِ وحياتهِ على أرضهِ. في البداية كانت الطلقة الأولى، والأمل الأول، والغضب الأول. كان ذلكَ في عام ١٩٨٧ في ذاك الزمان التي انطلقت بهِ انتفاضة الحجارة وثورة الشعب الحالم بالتحرير. أمّا الثانية التي أتت بعدها في عام 2000، وكان عمري ١٧ عاماً، فقد انطلقت من باحات المسجد الأقصى.


في ذاك اليوم، كنت ما أزال في بداية التوتر والتأمل الشعري والوطني والسؤال عن المكان والوجود والمصير والعطش المرّ إلى إجاباتٍ: من نحن وأين نحن؟ كان المخيم يزداد ضيقاً والأزقة تصرخُ فينا وتتبعثر ثم تتجمع ثم تضيق بنا، هُناك من على سطحِ البيت أحدّق في التفاصيل وعلى إيقاع صوت الخبر العاجل في تلفاز الجيران، الذي كان يذيع يوميّات الانتفاضة، كنتُ أحترق حين أشاهد الأطفال بصدورهم العارية يقفون أمام الدبابات ويقذفون الحجارة على آليّات المحتلين، وأتمنى أن أكون معهم بدلاً من الكتابة عنهم. كانت مشاهد جديدة بالنسبة لنا نحن من لم نعاصر الانتفاضة الأولى، وقد جاءت الانتفاضة الثانية لتقول لنا بأن لنا وطناً ما زال يصرخُ على صليب آلامهِ. وقد أيقظ فينا حلم المكان الضائع فعلاً، أيقظ فينا ما لم يكن فينا من قبل.
إذن هي المسيرة التي تُقاس بالانتفاضة من زمنٍ إلى زمنٍ ومن جيلٍ إلى آخر في التراجيديا الفلسطينية. كان لي صديق يقول: لو أردت الحقيقة؟ سأقول لك إني تذكرت فلسطين مع الشهيد الأول الذي سقط الليلة الماضية! غابت فلسطين عن بالي في يومياتنا، والانتفاضة هي التي أيقظتني من منامي لتقول كلمتها وتُحرّضني على الكتابة في سبيلها، لولا الانتفاضة، قال، لنام كلُّ شيءٍ في، فالانتفاضة شرارة ثم شعلة في الطريق إلى البيت/ الوطن.
والمخيم كان يغلي على وقع حرارة الانتفاضة: من وقتٍ إلى آخر انخفاض ثم ارتفاع. نحاول الإنصات إلى المكبرات التي كانت تدعو إلى التظاهرة والمناصرة، نرهف السمع ونلتقط الموعد كي نكون هناك: في الأمام وفي الوقت المناسب رافعين أعلام فلسطين، نهتف ونصرخ لنفرّغ ما في داخلنا من احتقان الصمت. أو لكي نتخيل بأننا هناك، نشهد على وحدة الوجع ووحدة الصوت الصاخب.
من يحب الانتفاضة يموت من أجلها؟ وهكذا كنّا. نحاول أن نفعل شيئاً ولو كان من أضعف الإيمان. كنتُ أقول في نفسي وأنا في الصف الخلفي من التظاهرة: كيف أصوغُ ما أشعر بهِ؟ أبقصيدةٍ ملحميّةٍ تعبّر عمّا يحتشد فيّ من نارٍ تكادُ أن تنفجر في جسدي اليافع؟ أقولُ كيف أكون وأنا ما أزال في المنفى وألمّ الكلمات من شارع المخيم، كالقاسم المشترك بين ما يجري هناك وبين ما يجري هُنا، وفي أزقة المخيم أرى الأطفال يلعبون لعبتهم المفضلة، يحملون طفلاً على أكتافهم ويصرخون في أعلى صوتهم "سقط شهيداً سقط شهيداً"!
يخترقني الصوت يدخل من أذني إلى صدري يتجمّع ثم يشتعل! أين الشهيد الذي سقط هنا؟ ما أكبر الفرق بين "هنا" في المخيم و"هناك" في الوطن؟ كالفرق بين الخيمة والبيت، بين الزهور والشوك. يكثرُ عدد الشهداء يوميّاً. يرتفع هنا وهناك. يبلغ حدود الوطن في مدن وقرى نسمع أسماءها لأول مرة. هناك مدن لم نكن نعرف أسماءها ولا حدودها ولا موقعها في جغرافيا بلادنا. الانتفاضة أيضاً كانت الدالّ والدليل الى الجغرافيا المنسية، كانت الرسالة والمرسل، الانتفاضة ثقافة وتجديد للإيمان. كنت صغيراً يومها وكلمة انتفاضة تخترق وعيي تتشبث بي وتعتصرني من أنحائي، كيف ومتى ننتصر؟ وهل هذه هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى مبتغانا؟ أمام مشهد المخيم وهو أمامي والبحر من جانبه الثاني، أحاول الولوج في معنى الوطن من بعيد، ورؤيا الوطن الذي يكبر مع كلّ شهيدٍ يمضي إلى التراب. هو السؤال العام الذي كان يسيطر على الجميع كلما مرّ الخبر العاجل على الشاشة: أين وصلنا؟ ومتى تتوقف أنهار الدم وسط هذا الصمت؟ وما أغلى الحرية! ثمنها أرواحنا.
حقّاً رأينا الانتفاضة وعشناها ووجدناها لا كما رويت لنا في السابق، حقّاً كانت هي من صاح فينا: هيّا بنا، كنت أقولُ: لا أريد الكتابة اليوم. سأكتب غداً. ثم لم أجد الغد إلّا محمولاً على مشهدٍ آخر يتبدّل ويتغير ويتجدد بحسب نشرة الأخبار الأخيرة. وعن ماذا أكتب؟ لا أعرف. من يعلم ماذا ينتظرنا في الغد؟
اليوم يوميّات الانتفاضة تمطر علينا وتروي قحط أنفسنا تارةً وتارةً أخرى تكتظ الغيوم في سماء القدس وسط الوجوم، مشهد "محمد الدرة، فارس عودة، ايمان حجو، علي الدوابشة، محمد ابو خضير". جرحٌ يلتهب على الأرض، فنلتهب معهُ وتلتهب أضلاعنا والأرض تفيض بالشهداء وتغني وحدها فأغنّي معها:
أنا من كومةِ النّارِ الأخيرةْ
إلى خبزِ الصباحِ
وصوت نبضي واحتراقي
فيكِ أرقصُ نازفاً
كالعشقِ في قلبِ العروقِ
فما يزالُ الغيظُ في رأسي
فغيظي لا يزولُ
أُؤجّل صرختي إلى وقتٍ آخر، للكلماتِ وقتها المؤجل ربما تتضح الصورة غداً ويهدأ القلب أكثر، وتهيّئ الشمس ضوءها للشروق من نواحي البلاد، فأرتّلُ لها فجأةً:
الأرضُ تبدأُ والسماءْ
تلكَ الأغاني / تلكَ أمنيةُ الترابْ
قَام الشهيدُ يقودُ لحن المجدِ في أوج العذابْ
هذا الكتابْ
للأرضِ يفتحُ من جديدٍ ههُنا
ولَنا مدينتُنا تقومُ على نشيدِ الفجرِ تغسِلُ وجهها
يَا بنتَ أحلامِ الغيابْ
كلُّ المآّذنِ فيكِ تصدحُ في السماءِ
وتعرجُ الكلماتُ صوب النورِ
أنتِ شعاعُ قبلتِنا إلى وطنٍ يفيضُ بنا
هُنا هذا الإيابْ
نحوَ البلادِ إلى التّرابْ
هذا الإيابْ
شوق الخليل إلى الشعابْ
هذا الإيابْ
وضح الهلال على حقيقتهِ هنا
هذا الإيابْ

باسل عبد العال
10/10/2015