نيويورك | من يراقب الإدارة السعودية برئاسة وليّ وليّ العهد محمد بن سلمان، يلاحظ أن المملكة تسعى إلى تنويع تحالفاتها، وسط خشية من أن تخسر الولايات المتحدة كحليف استراتيجي يمكن الاعتماد عليه. لذا، كثرت زيارات الأمير الشاب بن سلمان لموسكو وباريس، وأرسل سفراء إلى اسرائيل وغيرها حيث يبرم صفقات تسلّح بعشرات مليارات الدولارات مصحوبة باتفاقات وتبادل مصالح.


خلف هذا التوجه السعودي، قلقٌ كبير من التقارب الإيراني ــ الغربي بعد الاتفاق النووي. لخّص السفير السابق في اليمن، ستيفن سيتشه، هذا الأمر في إفادة أمام لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية، قدمها في السادس من الشهر الجاري. وقال في الإفادة التي حملت عنوان «الدور والاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي: كيف تفكر دول الخليج العربية وتتصرف»: «بطرق لم يسبق لها مثيل، توظف دول مجلس التعاون الخليجي ثرواتها وترساناتها العسكرية الحديثة في سبيل جعل نتائج ما يجري في المنطقة يخدم مصالحها من ليبيا إلى مصر وسوريا واليمن»، مضيفاً أن الولايات المتحدة «تفك ارتباطها بالمنطقة بعدما كانت الضامن لأمن الخليج»، حيث إن عودة إيران المكتسبة شرعية دولية بمكانة معززة «يهدد بزعزعة استقرار تلك الدول وفقاً لما تشعر به». ثالثاً، قال إن موجة الاضطرابات التي بدأت عام ٢٠١١، «ستشق طريقها إلى أعتاب أبواب عواصم خليجية مهددة بقاء الأنظمة الملكية الوراثية نفسها».
وأوضح سيتشه أن الولايات المتحدة أسهمت في تعزيز قدرات تلك الدول عسكرياً. وهي الرسالة التي نقلها وزير الخارجية، جون كيري، إلى نظرائه في دول مجلس التعاون في نيويورك، أواخر أيلول الماضي، في إطار منتدى التعاون الاستراتيجي. والمنتدى يمثل آلية تنفيذية لما بلّغه الرئيس الأميركي باراك أوباما لقادة مجلس التعاون في كامب ديفيد حول الحاجة إلى التعاون في «محاربة الإرهاب» وتعزيز أمن الإنترنت والملاحة البحرية، وإنشاء درع اعتراضية صاروخية للجزيرة بين أمور أخرى، وفق آلية الشراكة القائمة.
ولاحظ السفير السابق أن التعاطي مع دول الخليج على أنها منظومة واحدة، «لا يستند إلى واقع لأنها متعددة الرؤوس والأهداف ولا يمكن النظر إليها كما ينظر إلى حلف شمال الاطلسي» مثلاً. وأردف: «هذه الدول لا تملك مؤسسة مشتريات للسلاح، وكل دولة تتخذ قراراتها الدفاعية بمفردها. وحتى جهود إنشاء درع صاروخية اعتراضية موحدة للجزيرة سيصطدم بعقبات رئيسية، بالنظر إلى أنها تتضمن تشاطراً غزيراً للمعلومات العسكرية الحساسة بينها».


الحوثيون هم يمنيون في المقام الأول وليسوا مستورَدين من الخارج

ويخلص إلى أنه بالنظر إلى أن الولايات المتحدة وظّفت الكثير من الجهد والمعدات في المنطقة، فإنّ من الصعب تصوّر أنها قادرة على فكّ الارتباط بها. وأعرب عن شكوكه بأن شركاء واشنطن في الخليج هم أقل خشية من رحيل الولايات المتحدة عنهم «بقدر قلقهم من تقديم صديقتهم الجديدة عليهم، أي إيران».
وفي هذا الخصوص، يشير إلى أن خوفهم الأكبر ليس من أسلحة إيران النووية، بقدر ما هو من تعزيز قدرة إيران على دعم حلفائها من حكومات وتنظيمات كما يحدث في سوريا والعراق مثلاً. وبالتالي إن رفع العقوبات عنها يتيح لها متابعة التزاماتها تجاه الأنظمة التي تريد دول الخليج تغييرها.

اليمن
لهذا تحركت السعودية والإمارات بصورة حاسمة في اليمن ورسمتا معاً خطاً أحمر لما يمكن تحمّله من تدخل إيران في شؤون الجزيرة. وهنا ينبه السفير سيتشه إلى أن الضرر الذي ألحقته الغارات السعودية الإماراتية كان شاملاً على سكان اليمن، ولم يجلب لهم سوى الدمار والجوع والأمراض، ولم يحرز تقدماً إلا بعد إنزال قوات خليجية في عدن وغيرها. ويذكر أن «الحوثيين هم يمنيون في المقام الأول وليسوا مستورَدين من الخارج»، وأن أكبر دعم تلقوه «كان من الرئيس السابق علي عبدالله صالح وليس من إيران»، وبالتالي «لا يمكن وصف تحركهم بأنه إيراني».
ونبّه أيضاً في هذا المجال إلى التصلّب الذي تظهره كل من السعودية والإمارات في موضوع المفاوضات على حلّ سياسي في اليمن. وقال إن الانجازات العسكرية التي تحققت بسبب الإنزالات العسكرية من الدولتين جعلتهما تتعنتان في قبول التفاوض بعكس النصائح الأميركية. فالأميركيون اختاروا المشاركة في التحالف لكي يكون لهم دور في إدارة العملية العسكرية بحيث لا تخرج عن السيطرة، «لكن ما جرى لم يكن كما اشتهته واشنطن». وحذر من الزحف نحو صنعاء التي تضم مليوني نسمة وفيها مناطق كبيرة تحتضن الحوثيين وأتباع صالح.
أخيراً، نصح السفير الأميركي السابق إدارة أوباما بأنّ خير وسيلة لمعالجة الأزمة الناشئة بين دول مجلس التعاون وإيران لا تكون بالتسليح الذي قد يقدم حلولاً مؤقتة، بل المطلوب «وعاء يسمح بجلوس دول الخليج العربية مع إيران لبحث القضايا التي تفرق الطرفين، وبذلك تنتفي الحاجة إلى حل الخلافات بالسلاح».