عبد الحليم فضل الله

تسجل المصارف في لبنان معدلات مرتفعة جداً للسيولة قياساً على حجم موجوداتها، هذه النسبة التي تتجاوز مثيلاتها في المنطقة بحوالى عشرين نقطة تضفي طابعاً خاصاً على الاقتصاد الوطني، وتمنحه حماية مقبولة تجاه المخاطر الداخلية والخارجية. ومع ذلك فهي ترتب علية التزامات لا يمكن تلبيتها بسهولة. وفائض السيولة هذا الذي يستقبل بحفاوة كبيرة، يقع في سياق التحوط المبالغ به، في بلد يعاني إحساساً داهماً بالخطر، وينتاب مؤسساته الحكومية الشعور بأنها دائماً عند حافة الهاوية.
يتطلب هذا الفائض نقاشاً حذراً يتعدى الترحيب، فالسيولة الجاهزة تجاوزت 170% من الناتج المحلي، ووصل حجم احتياطي مصرف لبنان من العملات إلى 83% من الناتج. وإذا استبعدنا الموجودات الخارجية للمصارف من معادلة السيولة، باعتبار أنها أرصدة موظفة فعلاً، وأضفنا إليها اكتتابات المصارف بسندات الخزينة بالليرة وبالعملات، فسنحصل على ما يمكن تسميته بـ«الأرصدة المالية غير العاملة» الواقعة عملياً خارج الدورة الاقتصادية، ويوازي حجمها 275% من الناتج تقريباً. إنّ كلفة تمويل هذا النوع من الأرصدة (المكون أساساً من ودائع القطاع المصرفي لدى المصرف المركزي وديون المصارف على القطاع العام) تستهلك جزءاً كبيراً من الناتج يقدر بحوالى 15% منه. وسترتفع هذه الكلفة إذا احتسبنا أيضاً الأصول الحقيقية غير العاملة، مثل الاستثمار المفرط في قطاعي الصحة والتعليم، والتوزيع غير المتوازن للمشاريع العامة.. ينطبق الأمر نفسه على القطاع العقاري، حيث من المحتمل أن نواجه خلال بضعة أشهر فائض عرض على صعيد الأبنية الممولة بالطلب الخارجي، فيما يبقى فائض الطلب في سوق العقارات ككل على حاله.
نحن إذاً في مواجهة معضلة شائكة تتمثل في وجود كم كبير من الأرصدة والأصول المالية والمادية غير المستخدمة التي ترتب أعباءً متزايدة مع مرور الوقت، ومع ذلك لا تُوظّف في المجالات التي تعاني قصوراً في الاستثمار. وهذه المشكلة لا تخلو من مفارقة، لأنها تفرض على اقتصاد يعمل بأقل من طاقته ويعاني انخفاضاً مزمناً في الإنتاجية، تمويل أصول مالية وحقيقية توضع خارج دورة الإنتاج عمداً وذلك تحسباً لهجمات مضاربة محتملة في أسواق الصرف.

السيولة المتحولة إلى احتياطيات تتكون من موارد خاضعة للعوامل المسببة للازمات
النقطة الأخيرة تقدم توضيحاً مناسباً لمن يعتقد أن السيولة الضخمة تكفي وحدها بمثابة للوقاية من المخاطر. فصحيح أن السيولة الجاهزة باتت تفوق حجم سندات الخزينة، وصحيح أيضاً أن الموجودات الخارجية لمصرف لبنان توازي كلفة الاستيراد لسنتين تقريباً، إلا أن غالبية السيولة المتحولة إلى احتياطيات تتكون من موارد مقترضة، فهي إذاً خاضعة للشروط والعوامل المسببة للأزمات. بعبارة أخرى.. إن استمرار تدفق الأموال من الخارج يرتبط أساساً بوجود تقويم إيجابي للمخاطر قياساً على العوائد. لكن أي تغيير في تقدير المخاطر ناجم مثلاً عن تدهور إضافي في أوضاع المالية العامة سيؤدي إلى تدهور مالي مقابل، وسيبدد الجزء الأكبر من الاحتياطيات المالية المفترض استخدامها في تهدئة الأزمات.
لنعترف بأننا في مواجهة وضع غير مسبوق، وبأن الأصول المالية المقترضة «غير العاملة» تؤثر على سلامة الأداء الاقتصادي واستقراره. وحتى الآن يعالج هذا الوضع الناتج من الاستدانة بفتح حلقات أخرى للاستدانة. لكن المشكلة ليست في ضخامة حجم السيولة بل في كون غالبيتها عبارة عن قروض زائدة وهي غير ناتجة من فوائض الإنتاج كما هي حال بعض الدول الناشئة. ناهيك عن أن عبء السيولة الإضافية سيُرحّل تدريجياً من المصارف التجارية إلى المصرف المركزي الحريص على امتصاص السيولة بأي ثمن بهدف كبح التضخم، ليقع العبء في نهاية المطاف على عاتق الخزينة العامة.
وهذه فجوة نظرية تستحق شيئاً من الاستطراد. إذ إنّ التشغيل المبالغ فيه للكوابح النقدية في مواجهة احتمالات التضخم هو أحد الأسباب التي تقف بحسب بعض الاقتصاديين وراء اندلاع الأزمات المالية. وعلى هذا الأساس تُكال لـ آلان غرينسبان التهم في التمهيد للأزمة الراهنة، لافتراضه أن دور الاحتياطي الفدرالي يقتصر على تحريك منصة أسعار الفائدة هبوطاً أو صعوداً للحصول على تشغيل كامل لا يترافق مع التضخم. تهتم السياسة النقدية في لبنان بالجزء الثاني من المعادلة المتمثل في لجم الأسعار، دون اهتمام يذكر بالأهداف الاقتصادية المطلوب من السياسة النقدية رعايتها.
ما نواجهه إذاً هو زيادة غير مسبوقة وغير مألوفة في حجم «الأرصدة غير العاملة» المطلوب من المنتجين المحليين تسديد تكلفتها، فحتى عام 2004 لم تتجاوز السيولة المصرفية الجاهزة بالمتوسط 15% من مجموع الموجودات المصرفية وحوالى 20% من الودائع، بينما وصلت اليوم إلى 50.5% و63% على التوالي. هذا يطرح سؤالاً أوسع مدى: إلى أي حد يمكن الاقتصاد تحمل ثلاثة أنواع من الأعباء الجانبية الثقيلة: كلفة الأرصدة والأصول غير العاملة، وعلاوة الاحتكار، وخدمة الدينين العام والخاص. وبطبيعة الحال لا يمكن الاستمرار بذلك إلى ما لا نهاية. فهناك نقاط انكسار كثيرة محتملة في وضع اقتصادي يتسم عموماً بالهشاشة. المعالجة تبدأ بإدخال تعديلات ملموسة على طريقة توظيف الفائض المالي، فيستخدم في توسيع حجم الاقتصاد بنسب تزيد عن كلفة القروض (والودائع) المستعملة في بناء الاحتياطيات، وبخلاف ذلك، البديل هو التحكم بتدفق الأموال على نحو يتناسب مع طاقة الاقتصاد الراهنة على الاستيعاب ومن ثم تدوير ما يفيض عن ذلك إلى الخارج.
* رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق