العثور على توصيفات مناسبة للدولة في مصر موضوع صعب. «جمهورية»؟ جمهوركية؟ مملكجوية؟ يدخل التوصيف في مرحلة الهلوسة اللفظية، وخاصة أن قيم الجمهورية

دُهست في الواقع. ومن هذا الدهس ماتت الجمهورية وتركت خلفها عجائب لم تر الدنيا مثيلاً لها

وائل عبد الفتاح

مراثي الدولة الفاشلة



الطريق الدائري، مفخرة نظام حسني مبارك وأعجوبته الجديدة. فالجسور والطرق هي «المشروع القومي». الواقعة حدثت في «وصلة» جديدة تربط وسط القاهرة بالطريق الصحراوي إلى الإسكندرية. المنطقة تحولت منذ ٣ سنوات إلى ورشة عمل لاستكمال بناء الوصلة. ومبارك يحرص على افتتاح الوصلات، وموكبه سيمر بعد ساعات، ولا بد من التأمين السري. هنا ظهر الضابط مصطفى زيد، مدير مباحث وسيرته بيضاء. هو على الطريق، الذي لم يستخدمه أحد، في مهمة أمنية. وفجأة تحوّل إلى خبر في الصفحة الأولى: «مصرع ضابط كبير تحت عجلات أوتوبيس مسرع».
أُضيف الضابط الكبير إلى ٦ آلاف يموتون سنوياً في حوادث على طرق تُصرَف مبالغ ضخمة في إنشائها، لكنها تفتقر إلى الصيانة وتترك في حال انفلات أصبح أكبر من دولة تديرها عقلية عسكرية.
الخبر كان بلا تفاصيل تقريباً كأن الأوتوبيس القاتل من دون هوية، وكأن وجود الضابط في هذه المنطقة عادياً. الأسرار تكشفت مع محاولات وزارة الداخلية تفسير الحادث. قال بيانها إنه «كان في مهمة تسهيل المرور قبل ساعة الإفطار في رمضان».
مدير مباحث ويسهّل المرور؟ السؤال مدهش. لكن الواقع لم يعد يصيب بالدهشة. وسكان القاهرة تعودوا ظهور رتب كبيرة تثقل النسور والنجوم النحاسية أكتافهم في ساعات الذروة وهم يتحدثون في أجهزة اللاسلكي ويسيرون بحركة ثقيلة وهم يشيرون بأيديهم لتتحرك السيارات المكدسة في شوارع لا تتحرك.مشهد يشبه أفلام الحضارات المنقرضة. المهم أن نزول عمالقة المرور لا يغيّر الوضع في الشوارع. وقد يعطلها. ولا يمكن فهم لماذا يضطر ضابط رفيع المستوى للقيام بمهمة يقدر عليها «أمين شرطة» أو «عسكري». هل هي لحظات الطوارئ؟
إنها علامات الفشل. وأسراب الضباط الكبار يعبّرون عن «وضع» الدولة بحركتهم الثقيلة ووجوههم المتصلبة وغرابة منظرهم وهم متجمعون في ركن الشارع. لا يحركون «الوضع» المتردي ولا يحلون الاختناق اليومي. إنهم موجودون والأزمة موجودة. توأمان سياميان لا يلغي أحدهما الآخر. فلا المسؤول سيترك منصبه لأنه سبب أزمة، ولا الأزمة ستحل إذا غادر المسؤول مكتبه ونزل إليها في الشارع.
الإدارة تتعايش مع الأزمات، بل هي مصدر رزق المستويات الأدنى. الأزمة تعني رغبة في المخالفة. وهذا يعني إغماض العين ومدّ الأيدي وجمل تنتهي جميعاً بـ«صباح الخير»، ولو كان الوقت مساءً، و«كل سنة وأنت طيب»، ولو لم تكن أيام أعياد.
الشفرة بين الإدارة اليومية والجمهور أصبحت معروفة، ومعروفة مستوياتها. وهذا ما يجعل كل الأمور عادية. لكن يظل وجود مدير المباحث في تقاطع طريق جديد مثيراً للاستغراب. وبيان الداخلية لم يكن كافياً، والمعلومات المتسربة من جهات غير معلومة كانت أقوى: الضابط كان في مهمة تأمين موكب الرئيس الذي سيفتتح وصلة الجسر في اليوم التالي.
أما الأوتوبيس الهائج فيتبع رئاسة الجمهورية ويقوده جندي قرر الطيران ليلحق بموعد الإفطار معتمداً على قوة الشارة التي يحملها الأوتوبيس. الصدام هنا عنيف، وكان يستلزم وقفة أكبر من ميلودراما «استشهاد» ضابط محترم وسمعته طيبة في عرض الطريق.
لكن لا أحد وقف. الرئاسة لم تكذب ولم تتحمس للنفي. والشرطة لم تصحح بيانها. ولم يُحَقَّق في الواقعة التي تتعلق بصدام مؤسسات كبيرة وانفلات يقتل الضباط، لا المواطنين العاديين فقط.
الطرق المنفلتة لم تعد خطراً حصرياً على المواطنين فقط، بل وصلت إلى مستويات عليا. والانفلات ليس طبيعة شعب محاصر بالازدحام والفوضى. لكنه طبيعة دولة بكل مسؤوليها من الضابط المقتول إلى السائق القاتل.
كلاهما يحمل شعار الدولة في تلك الساعة التي وقع فيها الصدام. لم تعتذر الرئاسة (على أساس أنها لم تفعل شيئاً) ولم تفسّر الشرطة (باعتبار أن الحادث قضاء وقدر). لم يتوقف أحد من الدولة أمام الانفلات العمومي.
إدارة شؤون الدولة من الشوارع وإلى المؤسسات خارج السيطرة. السيطرة فقط على حركة الجماهير السياسية. هذا هو النجاح الوحيد: الحفاظ على خلود الرئيس.
محافظ القليوبية (المستشار عدلي حسين) لم يتأثر بعودة وباء التيفوئيد إلى قرى محافظته بسبب تسرب مياه المجاري إلى ماء الشرب. وهي واقعة تشير إلى مأساة إنسانية وفساد يعيد المحافظة إلى عهد الأوبئة المنقرضة.
المحافظ لم ينزعج إلا من الوشاية التي وصلت للرئيس بأن ما حدث كان نتيجة معارضته لإنشاء شركة قابضة مسؤولة عن مياه الشرب. المهم هو الرئيس، لا الشعب. الرئيس هو الروح الكبيرة التي تختصر الشعب كله. والشعب هو جزء من قبس هذه الروح.
حاكم إله. فرعون مقدس. هذا هو شغل الرئيس من خلال ممارسات يومية، سياسات تتراكم كلها ليلمسها الرئيس بأصابع إلهية. الرئيس ليس مواطناً ولا موظفاً. إنه مبعوث العناية الإلهية. إن لم يكن العناية الإلهية نفسها. هذه عودة إلى عصور ما قبل الدول الحديثة.
عودة بالأمر الواقع وبانتصار غرائز متوحشة تحتل مساحات لها. ولا تترك للشعب شيئاً. يغيب القانون. ويصبح القانون الوحيد: ما تصل إليه يداك هو ملكك. حديقة حيوانات بلا قواعد حتى. الموت فيها مجاني. وكذلك الحياة. تفشل الدولة ولا تعلن فشلها. تنهار الحدود ويموت أبناء الدولة في شوارعها بلا ثمن. بعد سنوات من موت أهل البلد بلا ثمن.
دهس الضابط في هذه الميتة العبثية يكمله الموت الحزين لصحافي مشهور هو محمود عوض. الصحافي مات في عزلته. اكتشف بعد ٣ أيام لأنه يعيش وحيداً. هو ابن عصر مضى. وكل المراثي المكتوبة عن موته استعادت معه عصره الذهبي عندما كان صديقاً لعبد الحليم حافظ ولقبه إحسان عبد القدوس بـ«عندليب الصحافة».
مقالات محمود عوض الأخيرة كانت مراثي «العربي الجريح». هذه المراثي تُكمل عبث الدولة الفاشلة في موت الضابط الوحيد. تكمل نهاية تليق بجمهورية تراكمت أعاجيبها ونامت تحتها في غيبوبة ثقيلة.

أهرامات القمامة



صرخ بقوة: «رأيت بنفسي أحد هذه الأهرامات في شارع شريف». أهرامات في قلب العاصمة؟ الحديث ليس عن أشهر عجائب الدنيا، بل عن أعجوبة جديدة، دخلت معها القاهرة موسوعة الأرقام القياسية: «إنها أهرامات زبالة»

تتابع الأخبار خلال حوار بين مجموعة المثقفين عن أكوام القمامة الزاحفة على العاصمة وتكاد تخنق شوارعها. أحدهم أشار إلى أنها وصلت إلى شارع قصر النيل. وآخر قال إن القصر الجميل المنسيّ في شارع شامبليون تحاصره ٣ أهرام. الثالث لاحظ ظهور الأهرام بالقرب من بيته في حيّ المهندسين وعندما تتبعها اكتشف أنها سلسلة تنتهي عند باب معهد القلب.
الزبالة على أبواب المستشفيات. هذه كارثة تجاوزت السخرية بمراحل. لم يعد يكفي القول إن القمامة هي إنجاز الحكومة الذي لا ينكره الشعب أو إنها الإنجاز الذي يصلنا بقوة رائحته. هذه أهرام الحكومة في مقابل أهرام الفراعنة.
السخرية لم تعد تكفي. فالخطر الذي يزحف في شوارع العاصمة مرعب. خطر تزحف معه أمراض وأوبئة فتاكة. موت قادم لا أحد يفكر فيه، لا الحكومة يستوقفها الفشل الفظيع في واحدة من مهماتها، وهي الحفاظ على الصحة العامة. ولا الشعب يستاء من أهرام الزبالة.
محمد علي العسكري الألباني، الذي صنع مصر الحديثة، تعلّم أن الدولة الحديثة تقوم على عنصرين: التعليم والصحة. والدولة الآن فاشلة في التعليم ووصلت إلى مرحلة القتل في الصحة.
ما هو إحساس رئيس الجمهورية وهو يمر في شوارع تحتلها الزبالة؟ هل يرى؟ هل يسمع الشكاوى أو صرخات الاستغاثة؟
«القاهرة وصلت إلى قمة قذارتها في عصر حكومة يرأسها رجل اسمه نظيف»، قال الساخر الذي ظل صامتاً طوال الجلسة، بينما المأساوي لم يترك له الساحة وحده فتمتم بسؤاله الخالد: «ماذا يمكن أن نفعل. لكي لا نموت شهداء الزبالة؟».
والمفاجأة أن زبالة القاهرة ليست فقيرة. زبالتها تدرّ ثروات وتصنع مليونيرات. فالقاهرة تنتج حسب الدراسات ١٥ ألف طن زبالة. وهي «أغنى زبالة في العالم»، حسب دراسة أجراها الدكتور محمود حلمي، الباحث الأول في معهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة التابع لوزارة الزراعة المصرية. أكد حلمي أن سعر الطن يراوح ما بين 30 إلى 6000 جنيه، حسب المكونات التي تختلف حسب المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة التي تُجمَع القمامة منها.
وهناك دراسات أُخرى تشير إلى أمكان أن يوفّر كل طن فرصة عمل لـ ٨ شباب في ٦٧ مصنعاً لتدوير الزبالة. والمجموع نحو ١٢٠ ألف فرصة عمل. والمفاجأة الأكبر أن الصين تستورد من مصر زبالة بـ ٥ مليارات جنيه (مليار دولار تقريباً) سنوياً. لكن يبدو أن الدولة قررت الدخول إلى عصر الخلود بأهرام من نوع خاص.

عودة الملك فاروق



مكتبة شهيرة في حيّ الزمالك تبيع روزنامة العام الجديد. الروزنامة كلها عن الملك فارق، آخر ملوك مصر. هل هو الحنين إلى أيام الملكية الغابرة؟ أم أنه مزاج يبحث عن اتساق بين حالة «الملكية» التي تعيش في ثياب جمهورية، والملكية الحقيقية؟ هل هي عودة عن قيم الجمهورية؟ ومن الذي عاد؟ هل هو الجمهور الذي انتظرت شركة الدعاية أن يشتري صور آخر الملوك؟ أم ورثة الجمهورية الذين يريدون أن يكونوا ملوكاً من دون مملكة؟ ملوك جمهوريون؟ أم أنه مزاج «النكوص» العمومي.
الداعية التليفزيوني خالد الجندي أعلن في برنامج رمضاني أنه يريد العودة إلى الصحراء ليعمل راعياً للأغنام، ويضمن لبناته الستر كزوجات صالحات في البيت. أمنية من نجم الدعاة الجدد الأكثر مدنية وتطوراً وعقلانية. أما محافظ أسيوط فقد قرر منع دخول النساء مبنى المحافظة إلا بصحبة محرم. مزاج للعودة إلى أزمنة متصالحة مع نفسها ومع قيمها الخاصة، لا مع زمان تتجاور فيه أزمنة متباينة بلا سياق.
وفي أزمنة العودة، فوجئت أجهزة الأمن في المطار بعودة «المرأة الحديدية». تغيرت ملامحها. لم تعد الفاتنة «البلدي» التي هربت في واحدة من حوادث هروب الملايين هزت اقتصاد مصر.
هدى عبد المنعم عادت بعد ٢٣ سنة من الهروب إلى أثينا. هي حديدية فعلاً، استطاعت، وهي صاحبة المؤهل المتوسط، أن تصبح إمبراطورة مالية قادرة على خرق القوانين ثم الهروب سراً في لحظة الخطر بجواز سفر مزور (باسم زوجة البواب) ثم محاولة اللجوء الديني لكي لا تسلمها السلطات اليونانية. وها هي تعود لتقف خلف زنزانة المحكمة، بعدما وصلت إلى صفقة سددت فيها ٥٨٧ مليون جنيه للبنوك.
غطت هدى عبد المنعم عينها بنظارة طبية وشعرها برباط يشبه ربطات الموظفات بين الحجاب الديني وإيشارب المحافظة. لم تفقد بريقها كامرأة قوية وخليط بين المعلمة في الأحياء الشعبية ومدير بيوت المتعة وأشكال من نساء لا ينتمين إلى زمن أو سياق معين.
تعود اليوم في ثوب ضحية مثل عشرات من الهاربين غيرها، يروون قصصهم كأن هناك مخططاً سرياً وعملاء سريين غرروا بهم وجعلهم يهربون بالملايين والمليارات.
هكذا سيعود رامي لكح وإيهاب طلعت وآخرين. عودة تتضمن غسيل سمعة خاصة مع علامات الزمن التي ظهرت على الوجوه. من هنا فإن عودة صور الملك فاروق هي رد فعل شعبي على عودات أخرى تجري بغموض ومن دون اتساق. عودة تنسف قيم الجمهورية تحت شعار الجمهورية. وتتبختر في ثياب الملك والحاكم الاستثناء الذي ضحى ليمر البلد من ممرات الطوارئ ليكتب له الخلود هو وعائلته.