من روما وفيينّا وغيرهما من المدن الأوروبية الغنية، أتوا إلى أكثر التجمّعات بؤساً: قلب عين الحلوة. إنهم شباب «صمود»، تلك المنظمة اليسارية، التي جاءت لإنشاء مركز ثقافي ــ اجتماعي في المخيم بالتعاون مع «ناشط»، لإيمانها بالقضية الفلسطينية.


عين الحلوة ــ سوزان هاشم
وصلت القافلة أخيراً، وحطّت رحالها في عين الحلوة، فبعد سنتين من انطلاق حملة التبرعات استطاعت «صمود»، المنظمة اليسارية ذات البعد العالمي، أن تجمع المبلغ المطلوب من أجل بناء مركز ثقافي ـــــ اجتماعي في المخيم، بالتعاون مع جمعية «ناشط» الفلسطينية، وتتعرّف عن كثب على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. إذاً، وصل ركاب قافلة «صمود»، وهم 18 شاباً أتوا من إيطاليا وألمانيا والنمسا وإنكلترا، مرتدين قمصاناً تحمل شعارهم «تطوع ـــــ مقاومة». دخلوا إلى المخيم وبانتظارهم الكثير من عمل ملزمين إنجازه في غضون أسبوعين فقط، هي مدة إقامتهم في لبنان. لذلك وما إن وطئت أقدامهم المبنى المزمع ترميمه، حتى «شمّر» شباب «صمود» و«ناشط»، عن سواعدهم، وبدأوا تنظيف غرفه يداً بيد، وخصوصاً أنه المكان الذي سيبيتون فيه طيلة مدة إقامتهم، ولقد جرى استئجار المبنى من الجبهة الشعبية حيث كان مقر إقامتها سابقاً، ويبدو ذلك واضحاً من خلال الشعارات المتروكة على جدرانه، التي تخترقها الكثير من الفجوات الشاهدة على حرب التسعينات، ما يوحي أن مهمة الترميم الملقاة على عاتق هؤلاء ليست بسيطة.

فوجئ المتطوعون بعدم اهتمام الدولة أو الأونروا أو الفلسطينيين بتحسين أوضاع المخيم
لكن رغم ذلك، تبدو الحماسة ظاهرة في ديناميكية عملهم، حماسةٌ يفسرها المتطوع انريكو، لكونهم قد أتوا بحسب قوله، من منطلق إيمانهم بالقضية الفلسطينية، والمقاومة من أجل تحريرها، وعودة اللاجئين إليها، الذين يعيشون ظروف حياة قاسية في الشتات، و«صمود»، تتابع دائماً أوضاع المخيمات الفلسطينية، عبر تواصلها مع «ناشط» الفلسطينية، من هنا كانت فكرة هذا المشروع بإنشاء مركز ثقافي ـــــ اجتماعي لتنمية قدرات الشاب الفلسطيني، والعمل على الحد من التسرب المدرسي للأطفال وغيرها من البرامج، أي مشروع يمكن الاستفادة منه على المدى الطويل. أما عن اختيار المشروع في عين الحلوة، يتابع انريكو، فإنه اختير «باعتباره أكبر التجمعات الفلسطينية في لبنان». ولكن كيف بدأ التعاون مع الجمعية الفلسطينية «ناشط»؟ يشرح هنا المسؤول في الجمعية ظافر الخطيب، أن التعارف «جرى في أحد المؤتمرات الداعمة للقضية للفلسطينية في روما عام 1997، من هنا بدأ البحث عن كيفية التفاعل بعضنا مع بعض، والذي لم يتجسّد ميدانياً إلّا في حرب تموز، حيث أتى فريق من «صمود» لتقديم المساعدات اللازمة، وهكذا بدأ الإعداد للتعاون الجديّ معاً، وهذا المشروع هو أول ثمرة عملنا المشترك، وكنا قد بدأنا الإعداد له منذ سنتين، إلى أن توافر المبلغ المطلوب، وهو عبارة عن تبرعات جمعتها «صمود» إما عبر حفلات أقامتها في الخارج، أو من خلال تلقيها بعض المساعدات، وتبرع فريقها بجزء من المبلغ».
«ولكن ليس هذا المشروع الوحيد التي جاء الفريق من أجله إلى عين الحلوة»، يشير دراغون، متابعاً أن هناك ورش عمل تقام يومياً في المركز نفسه، الذي يجري ترميمه حالياً مع «ناشط» من أجل التعرف إلى أوضاع اللاجئين في لبنان. ولعل أبرز ما فاجأ فريق صمود، بحسب تعبيرهم هو حرمان اللاجئ التمتع بقائمة طويلة من الحقوق المدنية هنا. أما عن الظروف المعيشية لأبناء المخيم، التي لمسها فريق صمود من خلال جولاته في المخيم، فلم تصدمهم الصورة بحسب تعبير انريكو، الذين يعلمونها مسبّقاً بحكم اطلاعهم الدائم على أحوال المخيم، ولكن ما فاجأهم أكثر هو عدم قيام أحد، لا الدولة اللبنانية ولا الأونروا ولا الأحزاب الفلسطينية، بأيّ مبادرة ولو بسيطة من أجل تحسين الأوضاع. مهما يكن، يحمّل انريكو المسؤولية الكبيرة للدول الغربية، شاملاً بها الجميع، إزاء ما وصلت إليه حال الفلسطيني، ويردف «صورة المخيم تعكس خارجه، أي سياسة الدول الإمبريالية التي تحاول بشتى الوسائل تعميق مأساة هذا الشعب، لسبب واحد، من أجل كفّه عن المقاومة، وتوطينه في بلاد الشتات».
وقد قرّبت هذه الزيارة المسافة بين الفلسطيني وهؤلاء الأجانب، وأزالت كل الحواجز، إذ يقول عبد الله شحاده «كنا مفكرينهم غير هيك، أول مرة منحس الأجانب هلقد قراب مننا»، مردفاً أنه «خلال بضع ساعات منذ بداية اللقاء استطعنا أن نهدم الحواجز، وخصوصاً أننا نتقاسم الطعام والمنامة معاًً، وبتنا نستمتع في سهراتنا معاً، التي تمتد حتى منتصف الليل، حيث يعرّف كل منا ببلاده، وبما تحمل من أنماط من الحياة المختلفة، كما أن جدول عملنا الطويل لم يمنعنا من زيارة الأماكن السياحية في مدينة صيدا». والأمر نفسه ينطبق على فريق صمود «تعلقنا كثيراً بهذا الشعب، ونتمنى أن تتكرر الزيارة لاحقاً»، تقول أنا. أما عن اختلاف اللغة، فيشير شحاده إلى أنّها «انحلت باللغة الإنكليزية التي يُتقنها كلا الفريقين».
ومهما يكن فإن فريق «صمود» سيضع تقريراً «بكل شاردة وواردة»، حدثت معهم خلال هذه الزيارة، ليرسلها إلى مقر المنظمة في إيطاليا، التي ستبقى على تواصل مع «ناشط»، من أجل الإشراف على المركز، ومتابعة تجهيزه. ويبقى الأمل لدى هذا الفريق بعد زيارته المخيم «بأن نكون قد تركنا بصيصاً من النور في هذا المكان»، يقول روبرتو، متمنّياً أن يقدّم هذا المشروع بعض المنفعة إلى هؤلاء.


هي منظمة يسارية مناهضة للإمبريالية، نشأت في إحدى جامعات روما عام 1992 وتنتشر في دول العالم، هكذا تعرّف المسؤولة عن الفريق المتطوع، ايريكا، التي تضيف إن المنظمة حملت على عاتقها قضايا الإنسان المقهور في العالم، محمّلة الدول الرأسمالية مسؤولية ذلك، بسبب نتائج سياستها الإمبريالية، لذلك تحمل «صمود» شعارها بمناصرة المقاومة أينما كان ضد الغاصب، محاولةً نشر أفكار تتباين وبقية والجمعيات الأجنبية، التي تكتفي برمي المساعدات للدول المحتلة ــ الفقيرة، دون هدف البحث عن الأسباب التي آلت إلى ذلك.