محمد طفل لم يقضِ في الحياة إلا عاماً، أمضاه ما بين طبيب هنا ومشفى هناك. حصار إسرائيل لقطاع غزة لم يمهله إلا أياماً قليلة، أمل فيها أهله أن تكون فرصة لشفائه، لكن كل ما منحته إياه موت بطيء


غزة ــ إيمان قدادة
كان الرقم الأول في عائلته. ولدهم الأول الذي طال انتظاره. فأصبح مجرد رقم في سجل شهداء حصار غزة. الرقم 430، حتى الآن بالطبع. عندما كان مريضاً، كان واحداً من بين آلاف المرضى. آلاف، أي كتلة غائمة الملامح. منهم من كتب له الشفاء، ومنهم من فارق الحياة على مرأى العالم ومسمعه. العالم هو الآخر كتلة غائمة، لا نعرف حتى إن كان لها آذان أو عيون. تجربة الغزاويين تجيب بالنفي.
في تقرير اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، وعلى لسان رئيسها المهندس جمال الخضري المعلومة الآتية: «يزداد عدد المرضى في قطاع غزة كثيراً يومياً، نتيجة الحصار الشامل على القطاع، حيث انقطاع التيار الكهربائي ونقص في الأدوية وإغلاق معابر، وبالتالي معظمهم يستشهد».
محمد كان الابن الوحيد لوالدين رُزقا إياه بعد 3 أعوام من الزواج. لم يشأ لهم القدر أن يكملا فرحتهما، فالموت كان أقرب له منهم. «بعد ولادة محمد بشهرين ـــــ يقول الوالد ـــــ أصيب بارتفاع شديد بالحرارة. توجهنا به على الفور إلى المشفى، وبعد فحصه تبين أنه يعاني تقوساً في العمود الفقري وتشوهاً في القفص الصدري وخللاً في مكان القلب، إلى اليمين».
يتنهد قائلاً: «خاطبنا الأطباء المختصين وأطلعناهم على حالته، فأكدوا لنا حاجته الفورية إلى علاج في مشفى متقدم خارج القطاع، وبالفعل حُوِّل على مشفى في دولة مصر». توقف لحظة، كأنه استعاد لحظات لم تغب عنه، ولو لثوانٍ، وأكمل: «لكن بقيت مشكلة المعبر. فالإغلاق كان مستمراً، لكن بعد جهود دامت أسابيع سافرنا إلى مصر».
فرحة الوالدين بنفاد الولد من الحصار لم تكتمل. فالأطباء في مصر أكدوا أن وصوله كان متأخراً، ولا قدرة لهم الآن على التعامل مع حالته إلا بعد عامين.
«الحصار الإسرائيلي الدائم منذ 3 أعوام تقريباً هو بالحقيقة حكم بالإعدام على كل مَن في القطاع، والحال يزداد كل يوم سوءاً» يقول تقرير لمركز حقوقي.
لم يفقد الوالد الأمل بعد فشل المحاولة الأولى بعلاجه، أملاً بالمساعدة في تحويله مرة أخرى إلى الخارج، وذلك بعد إصابته بمضاعفات شديدة دخل إثرها لمشفى بالقطاع.
وبالفعل تمت إجراءات سفر الطفل إلى مشفى المقاصد الإسرائيلي عبر هذا المركز الحقوقي. لكن المشكلة لم تزل قائمة، فالمعابر مغلقة. سافر محمد ورافقته والدته تحتضنه وتحتضن أملاً بشفاء وحيدها.
لكن أيام انتظارها على المعبر كانت تسرق منها محمد دقيقة دقيقة. بعد أيام من العذاب والانتظار على معبر أوصدت أبوابه، دخلا المستشفى، لكن محمد مات بعد يومين فقط من وصوله.
حال القطاع أجبرت الجميع، ومن ضمنهم المؤسسات الحقوقية، باعتبارها الأكثر اطلاعاً، على النظر بقلق إلى حال الناس. فالأيام تمر والحصار ما زال يخنق بلاداً بأكملها، باتت تختفي فيها ملامح الحياة.
في منزل محمد، يجلس الوالدان وحيدين. ربما لم يعودا يرغبان بالإنجاب. في المنزل المتواضع، يدور راديو، تقول مذيعة الأخبار إن وزارة الصحة الفلسطينية تؤكد ضرورة فتح المعابر، وخاصة معبر رفح باستمرار لتسهيل إجراءات سفر المرضى الموجودين على أسرّة المشافي في غرف العناية الفائقة. الوزارة تفاوض فقط على العناية الفائقة. بالانتظار، الحصار مستمر. حكم الإعدام على ملايين الغزاويين مستمر، الأصحاء والمرضى. الكبار والصغار. من هم ضد حماس ومن هم مع حماس. الكل ينتظرون أدوارهم.



أطفال تحت الحصار

ثلث ضحايا الحصار في قطاع غزّة هم من الأطفال. هذا ما خلص إليه التقرير الصادر عن اللجنة الشعبية لكسر الحصار. وأكثر من ذلك، يظهر التقرير أن 60% من أطفال القطاع يعانون سوء التغذية وفقر الدم بسبب اشتداد الحصار وعدم سماح القوات الإسرائيلية بدخول المواد الغذائيّة إلى المحاصرين. كذلك فإن كثيراً من أجهزة التعقيم معطل ومتوقف عن العمل بسبب نقص قطع الغيار، وخاصة في مستشفيات النصر للأطفال والأقصى وأبو يوسف النجار. وأوضح التقرير أيضاً وجود نقص حاد في اللقاحات اللازمة للأطفال، ما يسبب نقصاً المناعة.