تقلّصت الاستثمارات المتدفقة عالمياً بنسبة 14% عام 2008. الأزمة الماليّة ـــــ الاقتصاديّة هي السبب طبعاً، ولبنان كان بين الدول التي خالفت هذا النمط من الناحية الكمّية فقط، إذ استقطب مليارات الدولارات إلى نشاطات ريعية الطابع وبكلفة مرتفعة نسبياً


حسن شقراني
تبدو الصورة قاتمة لدى دراسة نمط الاستثمار الأجنبي المباشر، أي تدفّق الرساميل بين الدول، خلال العامين المقبلين. فحجم هذه الاستثمارات انخفض من 1.7 تريليون دولار عام 2008 إلى أقلّ من 1.2 تريليون دولار في العام الجاري. وذلك بعدما سجّل رقماً قياسياً تاريخياً بلغ 1.979 تريليون دولار عام 2007.
هذه التوقّعات تستند إلى «تقرير الاستثمار العالمي ـــــ 2009» الذي قدّمه مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) في بيت الأمم المتّحدة في بيروت أمس. وهي تعكس أوضاع العولمة بعد الأزمة الماليّة، التي تحوّلت إلى أزمة اقتصاديّة، وكشفت ضعف النظام على صعيد توزّع الثروات وازدياد ضحايا هذا النمط من إنتاج الثروة.
ويتبيّن من التقرير المذكور أن دولاً عدّة، منها لبنان، استمرّت في اجتذاب التدفقات، لكونها قد وفّرت العائد الذي يبحث عنه أصحاب الثروات، وعلى الرغم من أن النظرة العامّة إلى الرساميل الوافدة إيجابية، فإنها ليست بالضرورة مفيدة، بكل المعايير، للبلد المضيف، وهذا ما حدث تحديداً في لبنان.
فخلال العام الماضي حين كان العالم يعاني جفاف السيولة والانعكاسات المباشرة لأزمة الائتمان، كانت الرساميل تتدفق إلى لبنان. وبلغت قيمتها 3.6 مليارات دولارات، بحسب تقرير «اونكتاد» مرتفعةً بنسبة 32% مقارنةً بالعام السابق.
وينتمي لبنان إلى مجموعة بلدان في منطقته شاءت المرحلة أن تجعلها تسبح عكس التيّار. ففي السعوديّة وقطر وسوريا سُجّلت زيادات مميّزة. والنسبة الأكبر على صعيد منطقة الـ«ESCWA» (اللجنة الاقتصاديّة والاجتماعيّة لغرب آسيا) حقّقتها السعوديّة، وبلغت 57%. وارتفعت قيمة الاستثمارات في هذا البلد العربي إلى 38 مليار دولار.

70% من الاستثمارات سعوديّة... وهناك خطط حكوميّة لتحديد قنواتها
ولبنان، الذي حلّ ثالثاً في منطقته بعد السعودية وقطر (43%)، جذب تلك الأموال من خلال سخاء المردود أو «صلابة الأفق!» في قطاعه العقاري الريعيّ الذي يتضخّم بمعدّلات قياسيّة ليس واضحاً مدى انعكاساتها بعد. فوفقاً لتقرير المؤتمر الأممي يمثّل «العقار المحرّك الأساسي» لزيادة الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة في لبنان، وهذا طبعاً تكريس للصيغة التقليديّة لـ«الأعمال» في البلاد، إضافةً طبعاً إلى القطاع السياحي، الذي أشار إليه المسؤول الأوّل للشؤون الاقتصاديّة في شعبة التنمية الاقتصاديّة والعولمة في الـ«ESCWA» خالد حسين لدى إطلاق التقرير. ويوضح حسين أيضاً أنّ نحو 70% من الاستثمارات الأجنبيّة في لبنان مصدرها السعوديّة، لتحلّ الكويت ثانية بنسبة 22%.
وعوضاً عن تطوير القطاعات الحقيقيّة تلجأ الأموال الوافدة إلى لبنان على شكل استثمارات مباشرةً إلى الجوانب الريعيّة، التي توفّر العائد الأعلى بالمطلق لكن الحيادي بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني.
فتقرير «UNCTAD» يركّز هذا العام على «الشركات العابرة الحدود والإنتاج الزراعي والتنمية»، ويتحدّث عن أهميّة هذه الجوانب في تحويل الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة إلى رافعة حقيقيّة تحقّق تنمية في جميع الاتجاهات تقريباً، عوضاً عن استفادة رأس المال من الارتفاع المستقبلي للأسعار العقاريّة، إضافةً إلى حفنة من الملّاك الذين يتخلّون عن أرضهم مقابل مبالغ يرى الشارون أنّها ستتضاعف مستقبلاً.
هل هناك جهود قائمة أو حتّى مشاريع رسميّة لتوجيه الاستثمارات الأجنبيّة وإجبارها على التوظيف في القطاعات الاستراتيجيّة الحقيقيّة؟ يؤكّد وزير المال محمّد شطح في حديث لـ«الأخبار» “أنّ الجهود موجودة وهناك «إجراءات إضافيّة» يمكن اتخاذها في المستقبل».
يقول شطح إنّ «القروض المخصّصة للاستثمار مدعومة لكي توجّه نحو القطاعات الإنتاجبة الحقيقيّة كالزراعة والصناعة والسياحة وحتّى تكنولوجيا المعلومات (IT)»، وبالتالي فإنّ «الدعم موجود عبر دعم كلفة الاستثمار». وهذه الإجراءات مرتبطة أساساً بالقروض الاستثماريّة المرتبطة طبعاً بحجم الودائع فيما الأخيرة مرتبطة بالخارج، أي بتدفّق السيولة.
ولكن على الرغم من أنّ هذه العمليّة تعكس بشكل أو بآخر توجيهاً لتوظيف الأموال الأجنبيّة، غير أنّها غير معنيّة بالاستثمارات المباشرة التي تتدفّق مستهدفةً مشاريع وقطاعات محدّدة. ويجب التعويل كثيراً على هذه الاستثمارات لأنّها مفيدة للاقتصاد الحقيقي، إذا استُغلّت في القنوات المناسبة، أي للتشغيل أو خلق فرص العمل، بقدر ما هي الودائع المصرفيّة مفيدة لتمويل الاحتياجات الماليّة المتزايدة للدولة.
فبحسب الأرقام التي يعرضها تقرير «UNCTAD» يمثّل تدفّق الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة 85.2% من تكوّن رأس المال الثابت في البلد المضيف. كما ارتفع معدّل القيمة التراكميّة للاستثمارات الأجنبيّة المباشرة إلى الناتج المحلّي الإجمالي من 1.9% عام 1990 إلى 83.5% عام 2008.
ومن المهمّ جداً طبعاً الحفاظ على تدفّق ثابت للاستثمارات، وخصوصاً أنّ التدفّقات المعاكسة، أي من لبنان إلى الخارج تشهد نموّاً أيضاً، فقد ارتفع معدّل قيمتها التراكميّة من الناتج المحلّي الإجمالي من 1.5% عام 1990 إلى 18.8% في العام الماضي.
والأهمّ هو توجيه الاستثمارات لتحقيق الربح الوطني. وفي هذا الصدد يتحدّث الوزير شطح عن أنّ «مشروع الموازنة (لعام 2010) يتضمّن إجراءات إضافيّة مفيدة لتحفيز الاستثمارات»، كما يشير إلى أنّ تدابير عديدة تجري دراستها حالياً للتطوير في هذا السياق مستقبلاً، إلى جانب الجهود المبذولة على صعيد «خفض الكلفة» لتشجيع الاستثمار في قطاعات محدّد.
وإذا استمرّ نموّ الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة المسجّل في السنوات الماضية خلال المدى المتوسّط بالحدّ الأدنى فسيكون للبنان معطّى تفاضلياً، وخصوصاً أنّ تقرير الأمم المتّحدة «لا يتوقّع حدوث أي انتعاش ذي شأن (على الصعيد العالمي) إلّا عام 2011».
وتجدر الإشارة إلى مسألة أساسيّة تخصّ لبنان ومجموعة البلدان النامية. فعلى الصعيد الكوني «غيّرت الأزمة الماليّة صورة الاستثمار الأجنبي المباشر»، بحسب التقرير. ففيما سُجّل تراجع عالمي بنسبة 15% ارتفعت حصّة البلدان النامية من ذلك الاستثمار إلى 43% عام 2008. وتلك الاستثمارات تُستغلّ في الزراعة والصناعة في باقي البلدان النامية لتزدهر فيما تبقى محكومة بالعقار في لبنان، على أمل التغيير.