«التقبيل محرّم شرعاً»... وخلاف على تأجيل الحج والعمرة


جمانة فرحات
فيما لا يزال الجدل قائماً في عدد من الدول بشأن جواز تأجيل رحلات الحج لهذا العام خوفاً من انتشار أنفلونزا الخنازير، انتقلت عدوى «أنفلونزا الإفتاء» إلى علماء الدين في العالم الإسلامي الذين أطلقوا العنان للفتاوى والفتاوى المضادة. آخر تجليات حرب الفتاوى هذه كانت تلك التي أصدرها الداعية الإسلامي يوسف القرضاوي لرفض إطلاق صفة «شهيد» على المتوفى بالفيروس، رداً على المستشار القضائي في وزارة العدل السعودية الشيخ عبد المحسن العبيكان، الذي قال إن من توفي بمرض «أنفلونزا الخنازير فقد مات شهيداً» على اعتبار أن «انتشار مرض أنفلونزا الخنازير عالمياً وبسرعة بين الناس، يُعَدّ من الوباء الذي يفتك بالناس كما هو وباء الطاعون».
أما القرضاوي فلا يرى أن فيروس «أنفلونزا إيه أتش 1 أن 1»، المعروف بمرض «أنفلونزا الخنازير»، يشبه وباء الطاعون، ومن ثم لا يلحق به في الحكم فيعتبر من مات به «شهيداً». لكنه استدرك قائلاً: «إذا فرض أنه تطور وتفاقم، وأصبح كالطاعون، فيمكن أن نعدّ من مات به شهيداً».


آراء دينية باعتبار الوباء عقاباً ربانياً للمفسدين في الأرض

بدوره، رفض عضو مجمع البحوث الإسلامية الشيخ محمود عاشور، اعتبار المتوفى بالوباء شهيداً. إلاّ أنه أثار موجة من ردود الفعل المنتقدة عندما تحدث عن جواز تأجيل موسمي الحج والعمرة، قائلاً: «أما الحديث عن جواز تأجيل العمرة، فهو أمر لا خلاف فيه، بل يجوز تأجيل الحج هذا العام، إذا استمر الوباء في الانتشار»، مستنداً إلى الحديث النبوي «لا ضرر ولا ضرار»، وهو ما عدّه العبيكان، صاحب فتوى «الشهيد»، أنه أمر مرفوض، محذراً طلبة العلم من فتاوى التعجل والخوض في قضية إيقاف الحج والعمرة أو تحريم السفر إلى الخارج بسبب انتشار مرض أنفلونزا الخنازير. وفي ذلك رد غير مباشر على فتوى أطلقها مفتي السعودية، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، حضّ فيها السعوديين على عدم السفر إلى الخارج تحاشياً لنقل المرض.
من جهته، رفض مفتي مصر الدكتور علي جمعة إصدار فتوى تبيح تأجيل السفر للأراضي المقدسة لأداء العمرة والحج بسبب مرض أنفلونزا الخنازير. لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام احتمال منع «سلطوي» في ظل تكاثر الأحاديث عن قرب إصدار وزارة الصحة المصرية قراراً بمنع الحج. وأيده في ذلك المرجع الشيعي الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الذي فضّل انتظار موسم الحج لاتخاذ قرار نهائي، مشيراً إلى أنه «إذا كانت البلية عامة، فلا بد من ترك الحج».
ونبقى في فتاوى الحج، لكن في مناسكه هذه المرة، إذ أصدر أستاذ كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، الدكتور محمود السرطاوي، فتوى تمنع المعتمرين والحجاج من تقبيل الحجر الأسود أثناء الطواف، خشية نقل العدوى إلى عموم الناس.
ولم تخلُ فتاوى الحج من التمييز ضد النساء، إذ نقلت جريدة «الوطن» السعودية عن علي جمعة أن دار الإفتاء المصرية تبحث استصدار فتوى بمنع مبيت النساء بمشعر منى، بناءً على طلب من المؤسسة القومية للحج والعمرة التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي المصرية، لتخفيف الاكتظاظ «وباعتبار أن قدرة تحمّل المرأة غير مماثلة للرجل».
والفتاوى لم تقتصر كذلك على موسمي الحج والعمرة، بل تعدتهما لتشمل الخنازير، التي لم يثبت حتى الآن أي ارتباط لها بانتشار الوباء، وبداية العام الدراسي، وتبادل التحيات والسفر إلى الدولة الموبوءة.

القرضاوي يناقض العبيكان ويرفض تصنيف المتوفى بالفيروس شهيداً

ورأى المفتي العام في الأردن، الدكتور نوح القضاة، أنه لا يجوز تربية الخنازير ولا الاتجار بها للمسلمين لأنها نجسة في حد ذاتها، فيما رأى رئيس هيئة علماء الشريعة في جبهة العمل الإسلامي، الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، ظهور المرض «عقاباً ربانياً للمفسدين في الأرض».
وفي موضوع تبادل التحيات، أصدر مفتي محافظة نابلس الشيخ أحمد شوباش فتوى قال فيها إنه «لا يجوز شرعاً معانقة وتقبيل المريض مرضاً معدياً حتى لا ينتقل المرض عبر الملامسة والتعرّض لنفس المريض، إلى غير المريض».
أمر أعادت تأكيده أمس دار الإفتاء الأردنية التي نصحت، في فتوى رسمية، المواطنين الأردنيين بالاكتفاء بالمصافحة والابتعاد عن التقبيل مع قرب حلول عيد الفطر، على اعتبار أنه «إذا ترتب على هذا التقبيل إمكان انتقال المرض بالعدوى فقد أصبح الأمر غير مباح شرعاً».
وفي ما يتعلق ببداية العام الدراسي في ظل انتشار الوباء، استبق عدد من الدعاة رأي الطب، وأصدروا فتاوى تحرم بدء العام الدراسي في ظل انتشار وباء الأنفلونزا. ورأى الأستاذ في المعهد العالي للقضاء السعودي، الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدكتور محمد بن يحيى النجيمي، أنه «لا يجوز لوزارة التربية والتعليم أن تخاطر بأرواح التلامذة، وخاصة في مراحل التعليم الأولى، وتبدأ الدراسة في الوقت المقرر في ظل انتشار وباء أنفلونزا الخنازير وتفشيه».
فتوى انصاعت لها السلطات التربوية في السعودية كاملاً، وأقرت تأجيل الدراسة في المرحلتين المتوسطة والثانوية إلى 10 تشرين الأول المقبل، وفي المرحلة الابتدائية ورياض الأطفال إلى السابع عشر من الشهر نفسه، على عكس مصر التي ارتأت فقط إقفال المدارس والجامعات الأجنبية حتى الثالث من تشرين الأول المقبل.