على وقع انشغال العالم بالتدخّل الروسي في الحرب السورية، وخلط حسابات قوى المعارضة العسكرية وداعميها الإقليميين والغربيين، واصلت موسكو مدّ خيوطها السياسية في أكثر من محور. المساران العسكري والسياسي تلازما روسيّاً، لتتابع تصريحات مسؤولي الدول المعادية لدمشق مُظهرة خفضاً في ما اعتبر مسلّمات منذ بدء الحرب السورية كرحيل الرئيس بشار الأسد.


واشنطن سبقت الجميع بإعلان «أولوية محاربة داعش»، وكانت اللقاءات الثنائية مع الروس متواصلة. هي أعلنت أخيراً اقتراح عقد لقاء دولي بمشاركة روسيا والسعودية والأردن وتركيا، في وقت كانت فيه وكالة «تاس» الروسية تكشف أنّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيريه الأميركي جون كيري والسعودي عادل الجبير سيجتمعون في فيينا «لبحث سبل دفع العملية السياسية في سوريا قدماً إلى الأمام».
لكن المسار السياسي يبدو إلى تعثّر، إذ يتعاظم ظهور الفورة التركية ــ الخليجية لمنع الانكسار المتوالي لفصائل المعارضة المسلحة. شُحنات «التاو» المدفوعة سعودياً عبر الحدود المفتوحة التركية دليل إضافي على رفض مطلق لتغيير موازين القوى، بالإضافة إلى ضخّ دماء جديدة بدفعات من المسلحين نحو مناطق الاشتباك الحامية. الدولتان، بالإضافة إلى تسريع وتيرة الدعم العسكري، تريدان الضغط على موسكو لدفعها إلى القبول بالمساواة في الحدّ الأدنى في طريقة إخراج الحلّ السوري. اليوم هما يوحيان بقبول دور موسكو في سوريا كوجود استراتيجي وحيوي لكن دون الأسد. اللقاء الثلاثي في فيينا، بعد الأول في الدوحة مطلع شهر آب الماضي، مفتوح على كل الاحتمالات.


لا بيان جنيف ولا
تغيير الدستور على جدول أعمال الدولة السورية حالياً


يعوَّل عليه للتوصل إلى تفاهم روسي ــ أميركي ــ خليجي على حلّ سياسي في سوريا، فيما فشله قد يؤجّج الصراع التركي ــ السعودي مع روسيا.
أمّا موسكو فهي تواصل إبداء حرصها على الإيحاء للمجتمع الدولي أنّ هدفها محاربة الارهاب. ويصبّ في هذا المضمار توجّهها لربط المسار العراقي بالسوري وإنشاء «مركز عمليات بغداد» للتعاون الأمني والاستخباري وقبولها بمشاركة طائراتها (في حال الطلب رسمياً) بقصف «داعش» في العراق.
في دمشق، كان الوزير المفوض في السفارة الروسية، ايلبروس كوتراشيف، يؤكد في لقاءاته أنّ السعودية وتركيا لم تتعاونا مع «الوجود الروسي الجديد». وهذا ما يفضي إلى اقتصار «الحلف الدولي والاقليمي لمكافحة الإرهاب» الذي دعا إليه الرئيس فلاديمير بوتين، على «غرفة عمليات بغداد»، أو ما بات يُعرف بالحلف الرباعي.
واشنطن، بدورها، يظهر التفاهم حول «أمن الطيران فوق سوريا» كأنّه البند الأول على لائحة أهداف سياستها الخارجية. لكن التنسيق لا يعني التفاهم، بل يجنّب الدولتين صداماً لا تريده موسكو أصلاً. فهي دخلت سوريا تحت عنوان مكافحة الإرهاب وتراقب ردود الفعل.
بعيداً عن الكباش الدولي السياسي والميداني، لم تقطع موسكو صلاتها بالمعارضة السورية الداخلية. وعلمت «الأخبار» أنّ الوزير المفوّض الروسي اجتمع يوم الأحد الماضي بوفد مصغّر من «هيئة التنسيق» المعارضة، طارحاً أمامه فكرة تشكيل «حكومة اتحاد وطني». كوتراشيف أكّد لمحدثيه أن لا بيان جنيف ولا تغيير الدستور على جدول أعمال الدولة السورية حالياً أو في المرحلة المقبلة، معتبراً أنّ الحكومة الجديدة قد تكون واسعة الصلاحيات.
ولدى السؤال عن اقتصار التنسيق الروسي على «الحلف الرباعي» (سوريا، روسيا، إيران، والعراق)، أكّد المسؤول أنّ توجهات واشنطن وأنقرة والرياض كانت سلبية منذ البداية.
«الهيئة» بدورها رفضت الطرح الروسي، مستندة إلى بيان «جنيف 1» وضرورة تنفيذه في رزمة واحدة وواضحة، داعية ضيفها الروسي إلى توسيع ذلك الحلف الذي تقوده موسكو ليشمل دولاً كمصر والجزائر والأردن والسعودية.
أما تركيا، وفي موازاة إدارتها جانباً كبيراً من مسرح عمليات المعارضة في الشمال السوري، فقد أظهرت أمس مرونة سبّبها التدخل الروسي الجديد وما يمليه من تغيّر في موازين القوى. فبعد أن كان الرئيس رجب طيب أردوغان صاحب النبرة الأعلى ضد القيادة السورية، قال مسؤولان كبيران في الحكومة التركية، أمس، إنّ أنقرة مستعدة لقبول انتقال سياسي في سوريا يظل بموجبه الرئيس بشار الأسد في السلطة بشكل رمزي لمدة ستة أشهر قبل تنحيه.
وقال أحد المسؤولين لوكالة «رويترز»، إنّ «العمل على خطة لرحيل الاسد جارٍ... يمكن أن يبقى ستّة أشهر ونقبل بذلك لأنه سيكون هناك ضمان لرحيله». وتابع: «تحركنا قدماً في هذه القضية لدرجة معينة مع الولايات المتحدة وحلفائنا الآخرين. لا يوجد توافق محدد في الآراء بشأن متى ستبدأ فترة الستة أشهر هذه، لكننا نعتقد أن الأمر لن يستغرق طويلاً».
ولفت مسؤول آخر إلى أنّ الولايات المتحدة ستطرح الاقتراح على روسيا «لكن لم يتضح بعد ما اذا كانت موسكو سترحب بالفكرة».