تعددت الممنوعات في حياة الفلسطيني: ممنوع التملك، ممنوع التنقل بحرية، وممنوع العمل بالمهنة التي تريد. هذه الممنوعات فرضت على الشبان الفلسطينيين أن يعملوا في ما تيسر من مهن، غالباً ما لا تمت لاختصاصاتهم الجامعية بأي صلة


قاسم س. قاسم
يجلس جهاد صالح في بهو الفندق بانتظار وصول مسؤول الموظفين. قيل له إنه باستطاعته اليوم مقابلته من أجل العمل الجديد الذي تقدم له. تطول ساعات الانتظار ويبدأ الشاب العشريني بالحديث مع موظف الاستقبال. يخبره الأخير أنه سيستقيل و«إذا كان حظك حلو بتشتغل محلّي». يتفاءل صالح لكنه يعلم أن اعتماده على «الحظ الحلو» ليس كافياً. فهويته الزرقاء قد تقف عائقاً أمام أي عمل جديد. يصل المدير ويسأل صالح «شو شاغل قبل» يجيبه «دارس محاسبة ومعلوماتية» يأتي الرد «تمام إن شاء الله منشغلك على الاستقبال». تنفرج أسارير الشاب، يعود إلى مخيمه، يبشر أصدقاءه «أول معاش، غداكم على حسابي». يبدأ الشاب عمله بمرحلة تجريبية مدتها ثلاثة أشهر لكن حتى الآن «ما عرفوا أنني فلسطيني» كما يقول. تمر الأشهر ويأتي الخبر الذي من المفترض أن يكون مفرحاً للكثيرين «بدنا نثبتك»، يضطر الشاب لإخبار مديره «بس أنا فلسطيني». يصف صالح المشهد بتفاصيله «نظر المدير إليّ قائلاً: بتصدق ما مبيّن عليك إنك فلسطيني كمان لهجتك اللبنانية منيحة» يضيف «توقعت أن ذلك سيساعدني وأنه سيتم تثبيتي». لكن شكل صالح ولهجته لم تشفعا له لأن «الفندق لا يسمح بتوظيف الفلسطينيين» كما أخبره المدير. الأرجح أن الفندق لا يريد دفع بدل «إجازة عمل» ضرورية لتشغيل صالح. هكذا انتهت أشهر العزّ بالنسبة لصالح «لو طردوني لأنني سرقت ما بزعل، بس انطرد كرمال فلسطيني بتضايق القصة مش طالع بإيدي أعمل إشي» ويضيف ساخراً «والله لو كنت أمركاني لكانوا عملوني مدير». اليوم صالح بإجازة في لبنان بعد عودته من الإمارات ويقول «صرت مدير محاسبة بفندق خمس نجوم وهناك ما بيحاسبوك على هويتك». ابتسم «الحظ الحلو» بوجه صالح أخيراً، لكن ليس حظ جميع أبناء المخيمات مثل صالح. يجلس محمد في أحد أحياء المخيم، يدخن أركيلته بعد الإفطار، يدلك رفاقه إليه. محمد رفض الكشف عن اسمه «يمكن اتوظف فبلاش انفضح». تخرج محمد من الجامعة اللبنانية ببكالوريوس علاج نفسي، يعرف الشاب أن الطريق طويلة في هذا المجال. «قررت وقف دراسة هالفترة لشوف إذا بقدر اشتغل بهالاختصاص»، وخصوصاً أن «اللبنانيين لا يستطيعون أن يعملوا به: فكيف الفلسطيني؟». يرفض محمد التفكير بالمستقبل كثيراً «لأنو ساعتها بموت وبفضّل عيش كل يوم بيومه» كما يقول. لا يعمل محمد باختصاصه بل في دكان والده. وفي المرة التي قرر العمل بمجال اختصاصه في إحدى الجمعيات التي تعمل في المخيم «علقت معاهم» والسبب «بدهم يعلموا أولاد المخيمات نبذ العنف وكأنوا فلسطين بترجع بالورد بدل الرصاص» كما يقول الشاب.

ليس بإمكان الفلسطيني الحصول على حقوق الصرف من الخدمة
المخيمات الفلسطينية في لبنان تحتشد بمثل هذه الحالات، فأغلب الشباب عاطلون من العمل أو يعملون في مجالات مختلفة عن اختصاصهم برغم نيلهم شهادات جامعية مفترض أن تسهل لهم الحصول على فرص عمل. أما سبب بطالتهم؟ مرسوم رقم 1756 الذي صدر عام 1964 المتعلق بتنظيم عمل الأجانب الذي اعتبر الفلسطيني المقيم في لبنان أجنبياً. اشترط المرسوم أن يحصل الأجنبي على إجازة عمل كي يتمكن من ممارسة عمله في لبنان، وكانت المراسيم المتعلقة بتنظيم عمل الأجانب وقانون الضمان الاجتماعي للراغبين في العمل في لبنان ترسو ضمن قاعدتين هما: قاعدة المعاملة بالمثل، وقاعدة الحصول المسبق على إجازة عمل. وبما أن الدولة اللبنانية لا تعترف بوجود دولة فلسطينية توفر قوانينها معاملة اللبناني بالمثل، ينتفي بذلك إمكان حصول الفلسطيني على حقوق الصرف من الخدمة، حتى ولو كان حاصلاً على إجازة عمل. أما الحصول على الإجازة فلها حكاية أخرى تقف بوجهها عراقيل عدة. إذ تتطلب الإجازة إجراءات عدة مثل دفع رسوم عالية الكلفة، أما مدة إجازة العمل فهي لسنة واحدة يضطر الفلسطيني إلى تجديدها وتكون مختصة بعقد عمل مع جهة محددة، فإذا تبدلت الجهة ألغيت صلاحيتها. لكن استُثني الأجانب ممن تتوافر فيهم أحد الشروط الواردة في المادة 8 من المرسوم 17561 وهم الأجنبي المقيم في لبنان منذ الولادة، أو مولود من أم لبنانية أو من أصل لبناني، أو متأهل من لبنانية منذ أكثر من سنة. من جهة أخرى، وبرغم مما قد يبدو أنه تسهيلات، إلا أن المراسيم اشترطت أن يكون الأجنبي خبيراً في شأن ليس هناك لبناني يعمل به، وأن يصدر إعلان في الصحف تحددها الدوائر المختصة لثلاثة أيام عن المهنة وشروطها. بالإضافة لضرورة توظيف الشركة لثلاثة لبنانيين مقابل الأجنبي الذي تلحقه بعملها، بما يؤدي عملياً إلى إلغاء الاستثناءات المذكورة أو بأفضل الأحوال جعل المستفيدين من الاستثناءات عنصراً نادراً جداً. وجاء قرار الوزير السابق طراد حمادة في 27/6/2005 بمذكرة حملت الرقم 1/67 التي نصتّ على استثناء الفلسطيني من أحكام المادة الأولى من القرار 1/79 بتاريخ 2/6/2005 التي تحصر بعض المهن باللبنانيين، ليعطي أملاً للفلسطينيين بأن وضعهم القانوني قابل للتحسن. إلا أنه على أرض الواقع لا يطبق.


لا يزال بعض شبان وادي الزينة يتذكرون زميلهم في العمل الذي كان يدعي أمامهم أنه «طيّار». تعرّف الشباب على الطيار خلال عملهم في بناء مصنع أحذية في المنطقة، وكانت «مهمته تقضي بنقل الردم من مكان البناء»، كما يقول أحدهم. يتذكر الرجل كيف «كنا نتمسخر عليه ودايماً نندهلوا طيّار كان يحلفلنا بس ما كناش نصدقوا». يصمت قليلاً ثم يبتسم قائلاً «بعد عودة منظمة التحرير الفلسطينية إلى فلسطين عاد الطيار معهم وعمل في مطار غزة شوفير طيارة». مضيفاً «لو بقي بلبنان كان بقي زيّ حتى بمعمل الصبابيط ما شغلوناش».