الجليل ــ أنهار حجازي

تعرفت عليها صدفة. عرفت منها أنها إحدى «الرفيقات» الناشطات حزبياً، وأنها تطمح، كما الكل، لإيجاد حد للصراع العربي ــــ الإسرائيلي. لكن الطريقة الوحيدة التي تراها هي عودة اللاجئين.
تفاجأت من انفتاحها. أنا أعرف أن جميع الرفاق والرفيقات حذرون جداً، لا سيما مع الناس الذين يتعرفون إليهم حديثاً. كان علي مواجهتها. قلت لها إنه لا يجوز التحدث بهذا الانفتاح أمام شخص التقيته لأول مرة. من يضمن لك أنه ليس «عصفوراً». ابتسمت وقالت: «لكنني أثق بك، فقد سمعت عن مواقفك كما أني شهدت بعضاً منها». وأضافت «لماذا كل هذا الحذر؟ هل سبق أن استدعيت إلى «البعبع»؟». قلت لها: لا، ولا أنوي زيارتهم قريباً!
قالت لي إنها تتفهم خوفي. فقد استدعيت هي مراراً للتحقيق، لكن لم يُثبت أبداً أي من التهم ضدها. كانت تهماً لا أساس لها من الصحة أصلاً، لكنها كانت محاولات لإخافتها وجعلها تتراجع عن مواقفها. محاولات لإضعافها وكسرها، لكنها لم تنجح. جعلتها بطلة،
قالت لي إن الأمر مثابة تغيير نوعي. بعد التحقيق الأول، أصبح الناس يرون فيها بطلة نذرت نفسها للوطن. هي لا تقول إنها ليست هكذا، لكن حلمها أيضاً كأي فتاة بأن تتزوج، وأن يكون لها عائلة. الآن أصبح الحلم شبه مستحيل، لأنها قد تسجن في أي لحظة، ومن هذا الذي سيتزوج فتاه قد تكون في يوم ما سجينة أمنية؟
تنازلت عن الفكرة، وعادت إلى المرحلة التي يأتي بها الوطن أولاً، حالها كحال العديد من الشباب والصبايا الذين نذروا أنفسهم لبلادهم.
التقيتها مجدداً قبل بضعة أيام. كانت برفقة شاب. هو خطيبها. عقدا قرانهما حديثاً، سألتها: «متى ستتزوجان»، فقالت: يوم التحرير! ضحكنا وانصرفت لشأني.
قبل ذلك، كان حال شبابنا مغايراً. ففي ما مضى، زرعوا بالجيل الذي سبقنا الخوف. أفهموهم أنهم إن لم يخضعوا، لن يحظوا بحياة عادية. فما كان منهم إلا أن خضعوا، ورغم كل هذا لم يحظوا بأي شيء من الحياة العادية. عندها جاء من يقول لهم لا! أنا لن أسكت بوجه الظلم، ولو خسرت ما أملك!
لحسن الحظ، هذا الصوت يعلو يوماً بعد يوم. يزداد الوعي لدى شبابنا، ليدركوا أننا لم نكن يوماً شعباً عادياً، ولن نعود شعباً عادياً إلا يوم تحرير أرضنا! يومياتنا أن نناضل، وجزء من النضال أن نحيا حياتنا «العادية» برغم كل شيء.