حكايات الصور


كانوا صوراً لوجوه وأسماء يومية عابرة، وكانت لهم ملامح المخيم، حكايات الطفولة، ورائحة العرق. كانوا حقيقيين تماماً. يدخنون النرجيلة. يثرثرون تحت السقوف المفتوحة لليل والصيف والمطر. يرتشفون قهوة الصباح ويغازلون الصبايا الجميلات في أزقتهم الضيقة.. وتحت حبال الغسيل. كانوا حقيقيين. لكنهم الآن لم يعودوا هنا، ليرووا قصص موتهم الملتبسة. قالوا إنّهم ماتوا. إنّ أحدهم استعجل خطوه في الشارع قبالة القناصة، وآخر حلم بحورية تشبه بنت الجيران كثيراً ورحل قبل أن يكتمل الحلم. وحكوا أيضاً عن شهيد صغير جداً، وعن طفلة كانت تبكي وجه أمها الذي ضاع في القصف. صور كثيرة تروي الكثير من الحكايات.
أما هو، فقد نسيت اسمه، لكنني لم أنسَ يوماً وجهه الأبيض عندما كان يبتسم لي كلما مررت بجانب منزله في طريقي إلى المدرسة. كان يعطيني حبّات تين من شجرتهم اليتيمة، ويقول لي: «سلمي على عمّك فلان، وقوليلو إني صاحب عمك الشهيد فلان». أبتسم له وأمضي، وأتذكّر أنني لم أخف منه كبقية الغرباء. انقضت سنوات، وأنا أوصل «سلامات» من مجهول يعطيني يومياً حبات التين، إلى أن فقدته في صباحات أحد الأيام. حاولت أن أبحث عن جرس الباب حيث كان يقف، إلا أنني لم أجد سوى صورة شهيد كانت معلقة على الجدار، بجوار أغصان شجرة التين. كانت صورته. هو أيضاً أصبح شهيداً. لم تبقَ الصورة، ولا شجرة التين، ولا حتى المخيم. أصبح المكان ساحة كبيرة من فراغ. أصبح بعيداً عن الواقع. هنا كان بيت. هناك دكان. كانت هناك حارة ولم تعد. في الاجتياح. وما أكثر الاجتياحات هنا. لم نجد وقتاً لننزع «حكايات» الشهداء عن الجدران مع الأوراق الرسمية التي نجونا بها من تحت القصف. كانت ليلة انتهى فيها كل شيء. لكننا لم ننس.
ذاكرة الوجع لا تنتهي، ولا مجزرة تمحو مجزرة كما ظننا في بداية التاريخ. صبرا لبنان وشاتيلا لبنان أيضاً. دير ياسين. كفر قاسم. كلها ستبقى في ذاكرة أجيال تعيش كل يوم فناً من فنون المجازر، وسنبقى كلما نجونا من حرب جديدة نروي حكايات الصور.
غزة ــــ أسماء شاكر

■ ■ ■

إلى صبرا وشاتيلا: عيد سعيد

«كانت الأمهات في المخيم أيام الحصار يخبئن أكياس الحليب والسكر في ثياب أولادهن الصغار، فمن النادر أن يفتشه الحرّاس. أنا كنت أخبئ أكياس الحليب لأخي الصغير في سروالي الداخلي، كنت متأكدة أن لا أحد يرغب بالتفتيش هناك! غدر بي مرة سروال أختي الكبرى الذي كنت أرتديه فسقط كيس الحليب منه، أكاد لا أصدق كيف انفجر الحارس من الضحك عليّ حتى تركني أدخل المخيم دون عقاب». هكذا قالت لي، عذراً على حفظ الأسماء في هذا النص، فالخوف لا يزال يخيّم في نفوس أهالي شاتيلا منذ المجزرة. أيقظ أبو أحمد أولاده من الفراش ليلة حصار مر عليها أكثر من عشرين سنة كي يشربوا معاً كوباً من الشاي. «الله كم كان لذيذاً الشاي مع السكر، وخصوصاً بعدما حُرمنا من طعم السكر أكثر من أربعة أشهر. وقتها قايضت جاري بأوقية حليب لابنه الرضيع مقابل أوقية سكر». فانتابني الخجل منه، لا سيما أنني أثرت مشكلة الصباح الشهرية بسبب انتهاء «مرطبان النسكافيه»! موت بطيء أيام الحصار، والأبطال هم ذاتهم حتى عندما تسارعت وتيرة الموت في المجزرة. «ما عادت تتسع المقبرة لمزيد من الشهداء، فقرروا دفنه في قبر مشترك، وعندما نقلوا الجثث إلى خارج المخيم ما عدنا نحن نعرف جثته من بينها. ومع ذلك نحن نزور كل القبور ونقرأ الفاتحة للجميع فهو من المؤكد بينهم، وكلنا بالنهاية ولاد مخيم واحد». هكذا تنتهي القصة عند من فقد أباه، لتبدأ قصة أحد الأطفال الناجيين من مستشفى عكا. «لا أذكر د. عثمان ولا د. الخطيب، ولا أذكر الممرضة أو السفير النرويجي، لكن الناس في صبرا قالوا لي إن عمري وقتها لم يتجاوز السنتين عندما نُقلت مع بعض الأطفال المرضى من مستشفى عكا إلى الجامعة الأميركية في موكب السفير النرويجي الذي أتى لينقذ الدكاترة والممرضين الأجانب. لكن الطبيبة النرويجية التي لا أذكر حتى وجهها أصرت على نقل الأطفال بعدما رأت رأس زميلها الدكتور المصري المنفجر جانب محطة البنزين القريبة. أحمد ربي ألف مرة أنني كنت ممن وجد مكاناً له في سيارة السفير كي لا أذبح أو أُحرق حياً كمن بقي من الأطفال الذين ما استطاعوا مغادرة المستشفى».
يمكنك أن ترى صور المجزرة على جدران بيوت المخيم، بين الأزقة الضيقة، في أفواه أناس لا تعرفهم. على وجه ذلك «الختيار» الذي ارتسمت ملامحه بخريطة الوطن، فلعن ولادته التي شهدت النكبة، فمن احتلال إلى لجوء، من تل الزعتر إلى النبطية، من الضبية إلى عين الحلوة، من صبرا إلى شاتيلا إلى نهر البارد. ومن هنا تحية إلى كل مخيم قد سقط، ولكل مخيم لا يزال صامداً، وكل عام وأنتم بخير.
بيروت ــــ إيمان بشير