طار الرئيس السوري بشار الأسد الى موسكو في عزّ ازدحام السماء السورية بطائرات حربية حليفة وعدوّة، وعاد الى دمشق سالماً. اجتمع بالرئيس فلاديمير بوتين في خضمّ تعاون عسكري روسي غير مسبوق، ووسط تجاذبات سياسية عظمى «تكاد تهدد بحرب باردة ثانية». هو لقاء تاريخي في سجلّ الأزمة السورية، بشكله ومضمونه (غير المعلن بمعظمه حتى الآن).


لكن، على الرغم من أهمية اللقاء، لم يبد الإعلام الأميركي بمستواه المعتاد، خصوصاً تجاه حدث سوري بهذا الحجم.
لا افتتاحيات في الصحف الأميركية البارزة حول الزيارة بعد يوم على إعلانها ولا تحليلات تذكر خارج إطار فكرتين وحيدتين هما أن «الزيارة هي رسالة تحدّ للغرب»، وأنها «دليل آخر على دعم بوتين الكامل للأسد». أمر عدم إبراز الحدث الروسي ــ السوري في إعلام النظام الأميركي قد يحمل تفسيرين: إمّا قرار منسّق مع البيت الأبيض يقضي بعدم إعطاء الحدث هالة كبيرة، أو هو عائد الى السرية التامّة التي أحيط بها الحدث، وغياب أي «مصدر معلومات» يمكن أن يرفد الإعلام بمعلومة حصرية ذات أهمية، إذ حتى الإعلام الروسي لم يعرف بأمر الزيارة «إلا بعد أن وصل الأسد الى دمشق».
عند إعلان الكرملن خبر اللقاء قبل يومين، اكتفى معظم الإعلام الأميركي (المكتوب والمرئي) بنقل المعلومات ذاتها من المصدر الروسي الوحيد. كلام المسؤول الإعلامي للرئيس الروسي ديميتري بيسكوف تكرر في معظم المقالات والتقارير التلفزيونية حول ما قاله الرئيسين أحدهما إلى الآخر. صور اللقاء أيضاً روسية حصرية مصدرها الكرملن.
حدث موسكو لم يغب عن الشاشات والمواقع الالكترونية لمعظم الصحف الغربية والأميركية تحديداً طوال ذلك اليوم، لكن من دون أن ينجح الصحافيون في إضافة أي معلومة جديدة أو التفرّد بتفصيل ولو صغير حول اللقاء. التحليلات غابت أيضاً، والعناوين لم تكن «رنّانة» كالمعتاد، واكتفت بـ«زيارة مفاجئة وسرّية للأسد الى موسكو».
«ذي نيويورك تايمز» قررت أخيراً أن تبدي بعض الملاحظات على اللقاء من خلال مقالة بتوقيع مراسليها ستيفن لي مايرز وآن برنارد، لكن المقال وصف استقبال موسكو للأسد بـ«العناق البارد». «تايمز» نقلت عن «مسؤولين ودبلوماسيين ومحللين» فكرة أن «العلاقة بين بوتين والأسد ما زالت باردة حتى بعد الزيارة الى موسكو». الصحافيان اعتمدا بتوصيفهما ذاك على تصريح للرئيس الروسي في بداية الأزمة السورية عام ٢٠١٢ عندما قال «إن بالنا ليس مشغولاً جداً بمصير نظام الأسد»، ثم أكّدا أن الرئيسين ما زالا «متباعدين وحذرين» أحدهما من الآخر. المقال يشير الى أن الكرملن «كان منزعجاً ممّا يراه غطرسة من قبل الأسد ومن عدم نيّته الرضوخ لمطالب موسكو، أقلّه حتى الفترة الأخيرة». وفي هذا الإطار ذكّر المقال بما قاله أحد الدبلوماسيين الغربيين في دمشق قبل أشهر عن أن «تأثير بوتين على الأسد هو كتأثير أوباما على نتنياهو»، بالإشارة الى العلاقة «غير السلسة» بين الرئيسين.
لكن التدخل العسكري الروسي الأخير في سوريا دفع بالمسؤولين الأميركيين والأوروبيين الى القول إنه «مهما كانت مشاعر بوتين تجاه الأسد فهو قد أظهر أن هدفه الرئيسي هو دعم الحكومة السورية المركزية... بانتظار أن يعلن عن خطواته التالية».


اكتفى معظم الإعلام الأميركي بنقل المعلومات ذاتها من المصدر الروسي الوحيد

وحول العلاقة السياسية بين موسكو ودمشق ينقل مقال «تايمز» وجهة نظر قديمة تقول إن «بوتين ليس متمسّكاً بالأسد، وإن جلّ ما تريده موسكو هو الحفاظ على أسس الدولة في سوريا وعدم تحويلها الى ليبيا أو يمن ثانية». لكن وجهة النظر الثانية، حسب الصحيفة، ترى أن «عدم التمسّك بالأسد لا يعني أن الروس مستعدّون لمناقشة رحيله» كما يشرح مسؤول في الخارجية الأميركية. كاتبا المقال، من جهتهما، يخلصان بالقول إن زيارة الأسد الأخيرة تبرز «مدى اعتماده على المساعدة التي يتلقاها من روسيا وإيران، وقد أدّى الدعم الأخير الى تصعيد على بعض الجبهات السورية، لكنه ما زال بعيداً كلّ البعد عن حسم الحرب وإنهائها».

الى العراق قريباً؟

من جهة أخرى، وفي محاولة لفهم دعوة بوتين للأسد، نقل موقع «ذي دايلي بيست» عن دبلوماسي أميركي قوله إن ذلك قد يعني إمّا «تحدّياً للغرب، أو إفهامهم أن على الغرب التنسيق مع روسيا بشأن مصير الأسد... خصوصاً قبل اجتماع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع الأميركيين والسعوديين والأتراك قريباً». مصدر استخباري أميركي قال أيضاً للموقع إن اللقاء «ليس مستغرباً، نظراً إلى الجهود التي تبذلها موسكو لدعم النظام السوري... لكن من المثير للانتباه أن الزيارة كانت الى موسكو وليس الى طهران، وأن ذلك حصل في خضمّ أشرس حملة عسكرية يشنّها النظام منذ أشهر». وحول خطوة بوتين التالية، ينقل الموقع عن مسؤولين دفاعيين أميركيين قولهما إن «روسيا ستنفّذ ضربات محددة في العراق في الأسابيع المقبلة، لكن ليس على شكل حملة كبيرة كما الحال في سوريا».