أسابيع ثلاثةٌ انقضت منذ الدخول العسكري المباشر على مشهد العمليات الحربيّة في سوريا. الطائرات الرّوسيّة نفذت حتى أول من أمس الخميس قرابة ألف غارة، استهدفت مواقع تابعة لمعظم المجموعات المسلّحة في سوريا. يضاف إلى ذلك 26 صاروخاً مجنّحاً من طراز «كاليبر» أطلقتها أربع سفن صاروخية روسية تتمركز في بحر قزوين، في السابع من الشهر الجاري، وأصابت أهدافاً في كلّ من الرقّة وإدلب وحلب.


جغرافيّاً، طاولت الغارات الجويّة في الدرجة الأولى أرياف اللاذقية، حماة، إدلب، حمص، وحلب، وبدرجةٍ أقلّ كلّاً من الرقة ودير الزور وريف دمشق، كما غابت بشكل كليّ عن كلٍّ من درعا والقنيطرة والحسكة. وتجدر الإشارة إلى أنّ دخول دير الزور وريف دمشق على لائحة الغارات قد تأخّر حتّى الأسبوع الثالث. وبات من المسلّم به أنّ المشاركة الروسيّة إلى جانب قوات الجيش السوري وحلفائه أثبتت فاعليّة غيّرت موازين القوى في معظم المناطق، وقلبت المشهد الميداني في بعضها، أقلّه حتى الآن. وتبدو قراءة الميدان كفيلةً بتصنيف الغارات الجويّة الروسيّة في مستويين من حيث التأثير: الأوّل لم تتّضح نتائجه الميدانيّة بعد، لأنّه طاول مناطق لم تشملها عمليّات الجيش البرية حتى الآن (الرقّة تحديداً)، كما يمكن إدراج دير الزور تحت هذا الباب، حيث ما زال نشاط الجيش هناك مقتصراً على عمليات تأخذ طابعاً دفاعيّاً. الأمر الذي ينطبق أيضاً على معاقل «جيش الإسلام» في ريف دمشق (باستثناء تحرّك لم يأخذ شكل عملية كبرى في جوبر). أمّا المستوى الثاني من الغارات، فقد خلّف نتائج ملحوظةً بشكل مباشر، ومسرحه المناطق التي ترافقت فيها الغارات مع عمليّات عسكريّة بريّة. وهذه بدورها، يمكن تقسيمها إلى قسمين: أوّلها عمليّات ذات طابع هجومي بحت، وأوضح مثال لها مناطق ريفي حلب الجنوبي والشرقي. وثانيها عمليّات هجوميّة ذات أهداف دفاعيّة، تهدفُ إلى توسيع النّطاق الآمن حول مناطق بعينها، كما في أرياف اللاذقية وحماة وإدلب. ولا يمكن اعتبار العمليات في المناطق الأخيرة هجوميّة بحتة، لأنّ أهدافها ما زالت تدور في فلك توسيع النطاق حول السّاحل السّوري (وهو أمرٌ يمكن ردّه إلى تأمين مطار حميميم ومناطق التمركز الأخرى للعسكريين الرّوس).


المشاركة الروسيّة غيّرت موازين القوى في معظم المناطق


وفي هذا الإطار ينبغي التذكير بأنّ معظم المناطق التي يسعى الجيش السوري إلى استعادة السيطرة عليها في النطاق المذكور، هي مناطق كان قد خسرها في الهبّة الأخيرة للمجموعات المسلّحة، التي أسفرت عن بسط «جيش الفتح» سيطرته على مدينة إدلب في آذار الماضي، وصولاً إلى بسط سيطرته على كامل المحافظة في نيسان (باستثناء كفريا والفوعة المحاصرتين). وفي ظل حقيقة عدم وجود «حرب نظيفة» في مناطق يتداخل فيها العسكري بالمدني، فقد سُجّل سقوط مدنيين في بعض المناطق التي طاولتها الغارات (أبرزها قرية تير معلة في ريف حمص الشمالي) من دون أن تتوافر حصيلة موثوق بها في معظمها. ومن المرجّح وفقاً لطبيعة الأهداف المشمولة بالغارات أنّها تُمهّد لمرحلةٍ تاليةٍ من العمليات البريّة، يُتوقّع أن تشهدَ زجّ المزيد من قوّات الاقتحام والآليّات البريّة. يُعزّز ذلك أنّ بنك أهداف المرحلة الحاليّة اشتملَ في الدرجة الأولى على مخازن الأسلحة والذّخائر، وبشكل خاص المعزّز منها بتحصينات استثنائيّة. وأبرز الأهداف التي قوّضت في هذا السياق كانت ثلاثة مستودعاتٍ تحت الأرض، عائدة لـ«جيش الفتح» في معرّة النعمان (ريف إدلب)، إضافة إلى واحد من أضخم المستودعات المحصّنة العائدة لـ«جبهة النصرة» في سلمى (ريف اللاذقية الشمالي)، وهو مستودعٌ يضمّ مخزوناً استراتيجيّاً، كانت «النصرة» قد ضاعفته بين شهري نيسان وتموز الماضيين. كما تم تدمير مخزنين ضخمين عائدين لتنظيم «داعش» في الرّقة، احدهما تحت الأرض. كذلك، دمّرت المقاتلاتُ الروسيّة مستودعاتٍ عامرةً بالأسلحة والذخائر عائدة لـ«جيش المجاهدين» في منطقة المنصورة (ريف حلب الغربي). كما كان تدمير مرابض مدفعيّة خان شيخون (ريف حماة) من أكبر الخسائر التي لحقت بـ«جيش الفتح»، الأمر الذي ينطبق على «قاعدة ترتياح» في ريف اللاذقية. وعلى الرغم من أنّ الغارات التي استهدفت مواقع سيطرة «جيش الإسلام» تعدّ قليلةً من حيث الكم قياساً بغيره من المجموعات، غيرَ أنّ «الجيش» الذي يقوده زهران علّوش يعد أحد أبرز الخاسرين حتى الآن، إذ استهدفت غاراتٌ روسيّة مرابض لمنظومة «أوسّا» الصاروخيّة في الغوطة الشرقيّة. وهي منظومة روسيّة كان «جيش الإسلام» قد استحوذ عليها عام 2013 إثر سيطرته على كتيبة الدفاع الجوي في أوتايا. ومن بين الخسائر المؤثّرة التي لحقت بتنظيم «داعش» في ريف حلب، تُدرج خسارته 23 دبابةً من طراز «تي 55» روسيّة الصنع كانت متمركزةً في قاعدة تابعةً له في منطقة الباب (ريف حلب الشرقي). كذلك خسر التنظيم موقعاً محصّناً يحوي مستودعي ذخائر، وأسلحةً متوسّطةً وعرباتٍ في منطقة السفيرة (ريف حلب الشرقي). «جبهة النصرة» خسرت بدورها قاعدةً هامّة في خان العسل (ريف حلب الغربي) تشتمل على ثلاثة مستودعات ومرابض لتسع دبابات وعشر مدرّعات على الأقل. وتُعدّ خسارة الآليّات الثقيلةً بالغة التأثير لا تبعاً لفاعليتها فحسب، بل أيضاً لصعوبة تعويضها في الوقت الحالي، وخاصةً أن عددها المتوافر في يد «النصرة» ليس كبيراً (خلافاً لتنظيم «داعش»). ومن بين البنود الهامّة التي اشتمل عليها بنك الأهداف الروسيّة في معظم المناطق تبرز معسكرات التدريب التي يضمن استهدافها إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر البشريّة في صفوف المجموعات المسلّحة. وطاولت الغارات معسكراتٍ في كلّ من ريف اللاذقية الشمالي، وحماة، وإدلب، وريف حلب، وتدمر (ريف حمص الشرقي)، كما دمّرت الغاراتُ مقارّ قياديةً وعملياتيّة مؤثّرة كان من أبرزها مقرّ «فيلق عمر» التابع لـ«جيش الإسلام» في مرج السلطان (ريف دمشق)، ومجمّع «كارفور» في الليرمون (6 كلم شمال حلب)، الذي كان بمثابة غرفة عمليات وإمداد خلفيّة في معظم المعارك التي شنّتها المجموعات في تلك المنطقة.

«القوقازيّون يتكتكون»

وفقاً لمصادر «جهاديّة» عدّة، يبدو «مجاهدو القوقاز» أقلّ الخاسرين في العديد البشري حتى الآن. وعلى الرغم من أنّ العمليات العسكريّة قد طاولت عدداً من مناطق توزع هؤلاء (وخاصة في ريف اللاذقية الشمالي) غيرَ أنّ عبد الملك الشيشاني، أحد كوادر «أجناد القوقاز» أكّد لـ«الأخبار» أنّ الإصابات البشريّة التي لحقت بمجموعته خلال العمليات الأخيرة كانت حتى الآن «إصابةَ واحد من الإخوة». وفيما يمتنع عبد الملك عن الإدلاء بأي تفصيل إضافي، يعزو مصدر آخر من «الأجناد» انخفاض الخسائر إلى «التكتيك الذي نتبعه في التعامل مع المعارك». بدوره؛ يقرّ مصدر من «جماعة جند الشام» بمقتل عدد من أفراد مجموعته يصفه بـ«المحدود». المصدر قال لـ«الأخبار» إنّ «عدداً محدوداً من الإخوة استشهدوا، إضافة إلى إصابة خمسة، لكنّ هذا لم يؤثر في معنوياتنا». ويؤكد مصدرٌ من «كتيبة سيف الله الشيشاني» أنّ «التكتيك يقوم الآن على امتصاص الهجمات، وتجنّب التجمعات ما أمكن. إضافة إلى اللجوء إلى مخابئ محصنة بطرق يتقنها مجاهدو القوقاز أُعدّت سابقاً».