شهدت شوارع «المحروسة» طوال الأيام الماضية إجراءات أمنية مشددة شبيهة بتلك التي اتُّخذت في خلال حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك. التنسيق بين الأجهزة الأمنية والتواصل بين الداخلية و«المخابرات العامة» لإحباط التظاهرات الرافضة لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية كان على أعلى المستويات. السعودية لم تكن مهتمة بما يجري في القاهرة، فقد صدّق مجلس الشورى فيها، أمس، على الاتفاقية بالإجماع، في الوقت الذي لم ترسل فيه الاتفاقية برغم مرور أكثر من أسبوعين على توقيعها، إلى مجلس النواب المصري لدرسها والتصويت عليها.
شوارع القاهرة أغلقت أبوابها بوجه المعارضين، وألقت الشرطة السرية (عسكريون بلباس مدني) القبض على عشرات الشباب واحتجزتهم لساعات طويلة. لكنها فتحت مصراعيها لمؤيدي الاتفاقية الذين خرجوا للتظاهر رافعين صور الرئيس عبد الفتاح السيسي، لدعم موقفه من الاتفاقية بالتزامن مع الذكرى الـ 34 لتحرير سيناء من العدو الإسرائيلي.

العلم السعودي وراءه موزّع

في هذا اليوم الوطني، ألقت الشرطة القبض على حاملي العلم المصري المطالبين بـ«عدم التفريط بالأرض ورفض الاتفاقية»، وتغاضت عن رافعي علم «آل سعود» في قلب القاهرة، ما أثار استهجان كثيرين، لأن العلم السعودي لم يكن موجوداً أصلاً في الأسواق المصرية، الأمر الذي يظهر أنه بفعل فاعل، وأن إحدى «الجهات» القوية شاركت في تنظيم فعاليات المؤيدين، بل طبعت العلم ووزعته عليهم.
أمام «نقابة الصحافيين» و«دار الحكمة» تحولت المنطقة إلى ثكنة عسكرية منع الوقوف فيها، ودققت الشرطة في هويات المواطنين واحتجزت عشرات الصحافيين في خلال محاولتهم الوصول إلى النقابة. وطوقت الشرطة ميدان التحرير ومنعت التجمع فيه، بالإضافة إلى إغلاق محطة المترو المؤدية إليه لـ«دواعٍ أمنية». كل ذلك جعل مجرد محاولة أحد التظاهر أمراً غير ممكن ومصيره الاحتجاز.

كان تكتيك «الداخلية» اعتقال المعارضين وتشجيع المؤيدين

المشهد في المقلب الآخر جاء مختلفاً، فقد كانت صورة السيسي وعلم السعودية كافيتين لتصيرا أشبه بجواز مرور إلى الشوارع التي شهدت تظاهرات المؤيدين من دون أي مضايقات.
قبل ذلك، خلت شوارع القاهرة من زحمة السير المعتادة حتى في خلال الإجازات الرسمية، بسبب خوف المواطنين من الإجراءات الأمنية المشددة التي رأوها بأعينهم في الأيام الماضية، وبسبب حملات الاعتقال العشوائي للمارة. فقد اعتقل عشرات الشباب، واحتجزوا وجرى التدقيق في المعلومات الموجودة في هواتفهم الخلوية وحواسيبهم الشخصية. كذلك أُلقي القبض على عدد كبير من الذين لم يكن لهم علاقة بما يحدث في الشارع، وصودف مرورهم مع عمليات القبض العشوائي، فيما تعرض بعضهم للضرب قبل إطلاق سراحهم.
سياسة الكيل بمكيالين كانت السمة العامة لوزارة الداخلية، وذلك بتفريق التظاهرات المعارضة بقنابل الغاز المسيّل للدموع، والتغاضي عن المؤيدين، الذين حشد عدد كبير منهم في محافظات ومدن مختلفة، ما عكس حالة دعم كامل في مساندة الرئيس.
قنابل الغاز التي جاءت من نصيب عدة متظاهرين في مناطق مختلفة بالقاهرة لم تمنع الشباب من محاولات التجمع في الأماكن القريبة من وسط البلد، لكن المداهمات الأمنية كانت أقوى من التجمعات التي استخدمت مواقع التواصل الاجتماعي، لإبلاغ الزملاء بأماكن وجودهم على أمل النجاح في تنظيم مسيرة حاشدة في وجه عشرات المسيرات المحدودة التي خرجت مؤيدة للنظام.

حصار مقرّ «الكرامة»

وللمرة الأولى، منذ سقوط نظام مبارك، حاصرت «الداخلية» مقرّ حزب «الكرامة» الناصري، الحزب الرئيسي الداعي إلى تظاهرات أمس. وحاصرت قوة من الشرطة مقرّ الحزب وفرقت المتظاهرين في محيطه بقنابل الغاز، وهو مشهد تكرر أمام «نقابة الصحافيين» التي مُنع أعضاؤها من الوصول إليها، واحتُجز كل من حاول ذلك، فيما سُمح لعدد محدود من المؤيدين للرئيس بالتظاهر أمام النقابة لالتقاط صور لمؤيدي السيسي والنظام.
وكعادة «الداخلية» في التعامل مع المعارضين أخيراً، أخلت سبيل عدد كبير من الشباب من دون ضمانات بعد الحصول على بياناتهم التفصيلية، ويبدو أنهم سيخضعون لتحريات مكثفة في الأيام المقبلة، على غرار ما حدث مع زملائهم الذين ألقي القبض عليهم في جمعة «الأرض هي العرض» الأسبوع الماضي.
ودونت الوزارة قاعدة بيانات الشباب الذين احتُجزوا للمرة الأولى، خصوصاً أن كثيرين منهم لم يعرف لهم نشاط سياسي من قبل، كذلك جددت النيابة حبس 15 شخص تقريباً بتهم التحريض على التظاهر وترويج معلومات غير صحيحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
محاولات إضعاف التظاهرات لم تكن أمنية فقط، ولكن أيضاً سياسية، فهدى عبد الناصر، ابنة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي انتشر تسجيل صوتي له يحكي فيه مصرية تيران وصنافير، خرجت بوثيقة تزعم أنها عثرت عليها بالمصادفة في أوراق والدها، تؤكد أن الجزر سعودية وليست مصرية، وهو تصريح أثار تساؤلات عدة عن توقيته قبل انطلاق التظاهرات، وكيف لوثيقة مهمة عمرها نحو نصف قرن تظل في منزل الرئيس الراحل ولدى عائلته ولا تسلم للأجهزة المصرية.
في السياق، تقول مصادر حكومية لـ«الأخبار» إن سبب تأخير عرض اتفاقية الجزر على مجلس النواب هو «إعداد الحكومة ملفاً كاملاً بالمخاطبات الرسمية بين البلدين في هذا الشأن، بالإضافة إلى إعداد الرأي القانوني الذي يؤكد تبعيتهما للسعودية، تجنباً لإثارة المزيد من الجدل»، علما بأنه لم يتخذ موعد نهائي بإرسال ملف ترسيم الحدود إلى البرلمان. والأوضاع في الجزيرتين لا تزال كما هي من الناحية القانونية، لجهة خضوعهما للسيادة المصرية حتى إصدار القرار الجمهوري، الذي لا يمكن صدوره دون موافقة مجلس النواب، وفق الدستور.
المؤكد أن أمس، برغم عجز المعارضين عن التظاهر في الشارع بسبب الإجراءات الأمنية، يوم شكّل خسارة جديدة لشعبية الرئيس مع اتساع المعارضين وزيادة الاحتقان بينه وبين القوى السياسية، خاصة التي حاولت إمساك العصا من المنتصف في خلال المدة الماضية بالحوار مع الرئاسة. لكن حزب «مستقبل وطن»، الذي يرأسه رئيس اتحاد طلاب مصر السابق محمد بدران، باعتباره حزب الدولة الرسمي، عزز مكانته، بعد حشده الأعضاء من مختلف المحافظات للحضور وللمشاركة في الاحتفالات الميدانية.
والمفارقة أن التظاهرات التي سمح بها أمس لم تكن لمؤيدي السيسي والسعودية فحسب، ولكن أيضاً لمؤيدي مبارك، الذين احتشدوا أمام مستشفى المعادي العسكري، حيث يقيم لتلقي العلاج منذ سنوات، ورفعوا صورته وهتفوا له قبل أن يخرج ليلوّح لهم بيديه شاكراً زيارتهم التي صارت تتكرر في المناسبات الوطنية باعتباره قائد القوات الجوية في «حرب أكتوبر».