القاهرة | حينما يكون الحديث عن مصر، فإننا بصدد تحويل أي شيء إلى ثقافة. الممارسة اليوميّة، الحرفة، الأكل، اللعب، قيادة السيّارة وحتى الشعائر الدينيّة، كُل ذلك يوضع أخيراً في قالب الثقافة ليصبح أمرا عاما لا يخص فئة محددة، بل ليشيع استخدامه وانتشاره كانتشار النار في الهشيم.


وعلى الجانب الآخر، فإن كان الشعب يضع كُل أموره في إطار الثقافة العامة، فإن أرباب العمل العام، بداية من الحكومة إلى الكثير من أبناء المجتمع المدني، فأولئك يستطيعون وضع أي شيء، بل وكُل شيء، في إطار كسب الرزق وجلب المال تحت أي مسمّى يجذب انتباه المموّل ويسيل له لعابه. وفي مصر هناك دائماً من يعرف كيف يضع المسمّيات التي تجلب المكسب سواء بالنفوذ أو بالنقود، سواء من الشرق أو الغرب، فدائماً هناك من هو مستعد للدفع بشيء ما في مقابل أن يأتي تأييدٌ لفكرته من مصر ويا حبّذا إن جاء هذا التأييد من الحكومة أو الإعلام.
وعلى نحو مفاجئ في الأيام السابقة قررت وزارة الأوقاف في حكومة المهندس شريف إسماعيل أن تغلق باب ضريح الإمام الحسين بن علي في وجه الزائرين من كافّة المِلل والطوائف والبلدان من أبناء الشعب المصري وغيره، وذلك في ذكرى عاشوراء واستشهاد من أجمع كافّة المصريين بكل ما يعتنقون من أفكار ومذاهب على تسميته «سيدنا الحُسين».
ليست هي المرّة الأولى التي يحدث فيها ذلك الأمر، بل إنه جرى إغلاق الضريح أيضاً في عهد الإخواني المعزول «محمد مرسي».
في حالة قيام حكومة منتمية لجماعة دينيّة متطرفة بمثل هذا الفعل يكون الأمر أكثر وضوحاً، فهُم هنا المستفيد المباشر وصاحب الميول الراغبة في عدم إحياء الذكرى بالشكل الشعبي المعتاد للمصريين، ففي التلاحم بين أصحاب المِلل والمعتقدات وصَب أفكارهم في بوتقة الثقافة الوطنية الشعبية ما يدب الرعب في نفس كل صاحب أيديولوجية قائمة على الخلاف العقائدي، أما حينما يأتي الأمر من حكومة تكنوقراط لا يعنيها كل ما سبق ذكره فإن الأمر يصبح مثيراً للتساؤل والعجب، وخاصة أن هذه الحكومة تدرك جيداً بأن ولع الشعب المصري بشخص الحسين لن يوقفه إغلاق ضريح ولا إيقاف شعائر ممزوجة بصميم الثقافة الشعبية المصرية منذ أن أقيم المسجد والضريح.
وكما قال من سبقونا «إذا عُرَف السبب، بطل العجَب»، وبالتسليم بأن الحكومة المصرية الحالية ليست من تلك الفئة صاحبة الاستفادة المباشرة من التضييق على مثل هذه الشعائر فإنه من المؤكد أن في الأمر مكسبا من نوع مختلف، إذا كانت مصر ليست دولة طوائف ولا حكومتها لها أي ميول مذهبي بل إنها من داخل صميم النسيج ذاته المذكور سلفاً، فإن الحكومة هنا بصدد قمع ثقافة ومنع إحياء مناسبة تحت أي عنوان أو شعار من تلك الشعارات التي تجلب المصلحة من هنا أو هناك.
وبالرجوع إلى البيان الرسمي الصادر عن وزارة الأوقاف بالحكومة، فإننا سنجد ولأول مرة كلمة «الأباطيل الشيعية» التي أدخلتها الوزارة إدخالاً في بيانها الرسمي، تلك الكلمة التي نتفق جميعاً على أنها بمجرد ذِكرها تنفتح خزانات آل سعود ورجالاتهم سواء كانت خزانات مال أو نفوذا أو مجرد رضى.
والجدير بالتساؤل اليوم، هل سيمنع ذلك الإجراء الشعب المصري من ممارسة ثقافته؟ بالطبع لن يمنعه، وهذا ما تدركه الحكومة جيداً، وربما ذلك الإدراك هو ما دفعها إلى اتخاذ القرار بأريحية، ولكن الاستهانة بالشأن المجتمعي والثقافي المصري المتعلّق بالهويّة التعددية والمراسم الجماعية من إقامة الموالد والشعائر المختلفة هي الخطر الأكبر، فاعتبار إجراء مثل هذا مجرد رسالة مكتوبة إلى أحد أمراء الخليج تفيد بالتقرب والصداقة هو مؤشر إلى ضعف وعي تلك الحكومة واندفاعها في شؤون قد تضر بالمجتمع ونسيجه وثقافته على المدى البعيد، حتى وإن رأى أحدهم في ذلك فائدة قريبة، فإنها لن تتعدى الفائدة الساذجة التي قد تصب في جيوب أفراد ولكنها ستثير غضب وشِقاق الملايين فيما بعد، وكأن الحكومة تريد أن تعوّض مملكة العائلة عن تعيين وزير ثقافة يعادي أفكارهم جملة وتفصيلاً بأن تتخذ إجراء له هذا العنوان الجاذب لأصحاب المال والنفط السريع الاشتعال، وربما يكون الأمر ليس سوى رد من وزارة الأوقاف على شقيقتها وزارة الثقافة في استمرار للصراع الدائر بين المؤسستين منذ أن كان د. جابر عصفور على رأس وزارة الثقافة المصرية، فالرسالة هنا تفيد بأنه إذا كان هناك في الحكومة من يعلن رفضه لنشر أفكارهم فهناك أيضاً من يعنون بها قراراته، فلا تغضبوا، مصحوبة بابتسامة رقيقة.